في لبنان.. طرح السلام مع إسرائيل يفاقم الانقسام الداخلي مع انطلاق مفاوضات غير مسبوقة بوساطة أميركية
يعود ملف السلام مع إسرائيل ليتصدر المشهد اللبناني بوصفه قضية شديدة الحساسية، إذ لا يزال مجرّد طرحه كفيلًا بإشعال انقسام واسع في الرأي العام. ومع افتتاح مفاوضات وُصفت بغير المسبوقة في واشنطن بوساطة الولايات المتحدة، تتجدد الآمال لدى شريحة من اللبنانيين بإمكانية فتح نافذة نحو الاستقرار، في مقابل رفض قاطع داخل أوساط حزب الله لأي مسار يُفهم على أنه تطبيع أو اعتراف بالأمر الواقع.
وتأتي هذه المفاوضات في لحظة إقليمية مضطربة يتداخل فيها الأمني بالسياسي، فيما يبحث لبنان عن مخارج لأزماته المتراكمة. ويرى مؤيدو الانخراط في مسار تفاوضي أن أي تقدم—مهما كان محدودًا—قد ينعكس على تهدئة التوترات وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، ولا سيما في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية خانقة وانقسامات سياسية عميقة.
في المقابل، يتمسك معسكر حزب الله بموقف صارم يرفض التطبيع بأي صيغة كانت، معتبرًا أن السلام مع إسرائيل ليس خيارًا مطروحًا ما لم يُقترن بتسويات أشمل تضمن ما يصفه بحقوق لبنان وتبدد الهواجس الأمنية والسيادية. ويعكس هذا الرفض طبيعة التوازنات الداخلية في لبنان، حيث تتقاطع الاعتبارات الأيديولوجية مع حسابات القوة والنفوذ، وتُقاس خطوات السياسة الخارجية بتداعياتها على الداخل اللبناني الهش.
ويتجاوز الانقسام اللبناني حول هذه القضية حدود المواقف السياسية التقليدية، إذ يرتبط أيضًا بتجارب تاريخية متراكمة وبذاكرة نزاعات سابقة تركت أثرًا عميقًا لدى قطاعات واسعة من المجتمع. وبين من يراهن على مسار تفاوضي يحدّ من احتمالات التصعيد ويعيد إطلاق عجلة الاستقرار، ومن يراه تنازلًا مرفوضًا أو مقامرة قد تُضعف أوراق لبنان، تتبدى صعوبة الوصول إلى إجماع داخلي حول مقاربة واحدة.
وتسلط الوساطة الأميركية الضوء على دور واشنطن كطرف فاعل في إدارة ملفات المنطقة، في وقت تتشابك فيه مصالح القوى الدولية والإقليمية. كما تمنح المفاوضات زخمًا سياسيًا جديدًا لملفات عالقة، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول حدود ما يمكن تحقيقه فعليًا، وحول قدرة الأطراف المختلفة على ترجمة أي تقدم إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ دون أن تتفجر الخلافات الداخلية.
وفي المحصلة، من المتوقع أن تبقى نتائج هذه المباحثات مرهونة بتطورات المسار التفاوضي وبالقدرة على إدارة الانقسام داخل لبنان، فضلًا عن تأثير العوامل الإقليمية المحيطة. وبين آمال العودة إلى الاستقرار ومخاوف التطبيع، تبدو المرحلة المقبلة محكومة باختبار صعب: هل يمكن لفرصة التفاوض أن تخفف الاحتقان وتفتح بابًا لتسويات، أم أنها ستزيد الاستقطاب وتعيد رسم خطوط الانقسام في الداخل اللبناني؟
📰 المصدر: المصدر