سوريا تفتح ملف محاسبة مسؤولي أمن عهد الأسد وسط تساؤلات عن جدية التحقيقات
تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى وضع مسار للعدالة في مواجهة إرث ثقيل خلّفته سنوات حكم الديكتاتور السابق بشار الأسد، بعدما تعرّض عشرات الآلاف للتعذيب وقُتل مئات الآلاف خلال فترة سيطرة النظام السابق. وبينما تُعلن السلطات نيتها التحقيق وملاحقة المتورطين في الانتهاكات، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت الخطوات المتخذة حتى الآن كافية لتحقيق محاسبة حقيقية تُنصف الضحايا وتعيد ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.
وبحسب المعطيات المتداولة، بدأت السلطات باتخاذ إجراءات وصفت بـ«الحذرة» أو «التمهيدية» في ملف التحقيقات، في محاولة لإظهار جدية الانخراط في مسار قضائي ضد مسؤولين أمنيين ومنفذين يُشتبه بتورطهم في جرائم تعذيب وقتل. غير أن حجم الانتهاكات واتساع نطاقها يجعل المهمة معقدة، ويضع القضاء أمام تحديات تتعلق بتجميع الأدلة، وحماية الشهود، وضمان معايير المحاكمة العادلة في ملفات شديدة الحساسية.
ومن أبرز التطورات في هذا السياق انطلاق محاكمة في دمشق تشمل بشار الأسد نفسه وشقيقه ماهر، في خطوة تحمل بعداً رمزياً وسياسياً واضحاً. إلا أن المحاكمة تُجرى غيابياً، إذ إن المتهمَين ليسا داخل البلاد، ما يحدّ من فعالية الإجراء عملياً ويثير نقاشاً قانونياً حول جدوى محاكمة بهذه المكانة دون حضور المتهمين أو إمكانية تنفيذ الأحكام في المدى المنظور.
وفي الخلفية، يقف سجل طويل من الاتهامات التي طالت أجهزة الأمن والسجون في عهد الأسد، حيث تشير تقديرات إلى تعرض عشرات الآلاف للتعذيب، مقابل حصيلة قتلى تُقدّر بمئات الآلاف خلال سنوات النزاع. هذه الأرقام، إلى جانب تقارير وشهادات ناجين وذوي ضحايا، تعمّق مطلب العدالة الانتقالية وتفرض على السلطات الجديدة التعامل مع الملف بوصفه اختباراً لمصداقيتها وقدرتها على بناء دولة قانون لا تعيد إنتاج الإفلات من العقاب.
غير أن السؤال المركزي يبقى حول نطاق الملاحقات: هل ستقتصر التحقيقات على رموز محددة ومحاكمات ذات طابع سياسي، أم ستتوسع لتشمل البنية الأمنية التي اتُّهمت بالانخراط في الانتهاكات؟ كما تبرز مخاوف من أن تؤدي الحسابات السياسية أو هشاشة المؤسسات أو صعوبات الوصول إلى المشتبه بهم إلى إبطاء وتيرة المحاسبة، أو إلى الاكتفاء بإجراءات محدودة لا ترقى إلى مستوى الجرائم المزعومة.
وفي المرحلة المقبلة، يتوقع مراقبون أن يتزايد الضغط الداخلي والخارجي لدفع هذا المسار قدماً عبر تحقيقات أكثر عمقاً ومحاكمات أوسع وأوضح من حيث المعايير والإجراءات، ولا سيما مع استمرار غياب المتهمين الرئيسيين عن البلاد. وستمثل قدرة الإدارة الجديدة على تحويل «الخطوات التمهيدية» إلى منظومة قضائية متكاملة—تجمع بين كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر—عاملًا حاسماً في رسم ملامح ما بعد عهد الأسد وفي تثبيت الاستقرار السياسي والاجتماعي.
📰 المصدر: المصدر