يونيو 13, 2026
يونيو 13, 2026

من بلير إلى بورنهام: «الهرولة» كاستعارة سياسية لا تتوقف عن الجري

في مشهد بدا مُعدّاً بعناية لعدسات المصورين بقدر ما هو موجّه للناخبين، ظهر عمدة «مانشستر الكبرى» آندي بورنهام مرتدياً ملابس الركض خارج منزله صباح الجمعة، بعد ساعات من تلميحه إلى رغبته في الترشح للبرلمان. خطوةٌ أراد من خلالها، على ما يبدو، إرسال رسالةٍ رمزية مباشرة: إنه «ممتلئ بالطاقة»، و«على المسار الصحيح»، و«ينطلق بسرعة» نحو المرحلة التالية، في تقليد سياسي بريطاني قديم يجعل من الجسد وحركته مادةً للدعاية بقدر ما يجعل من الأفكار والبرامج.

النص يلتقط هذه اللحظة بوصفها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السياسيين الذين يوظفون الاستعارة حرفياً، حين يتحول «التقدم» و«الاندفاع» و«العمل الميداني» إلى صورة فعلية لرجلٍ يهرول أمام الكاميرات. فالساسة، كما يشير المقال بسخرية، مولعون بالمجازات، لكنهم كثيراً ما يقعون في إغراء تجسيدها بشكل مبالغ فيه؛ فلا يكتفون بالحديث عن «بدء العمل فوراً» بل يحرصون على تقديم لقطة «الانطلاق» نفسها، بما تحمله من إيحاءات النشاط والحيوية والانضباط.

ويطرح المقال سؤالاً لاذعاً: ما الذي يدفع رجلاً في السادسة والخمسين، يتصدر نشرات الأخبار ويعرف مسبقاً أن حشداً من المصورين ينتظر خارج منزله، إلى ارتداء شورتات «غير موفقة» وقميص «إيفرتون» بطابع ثمانينيات القرن الماضي، ثم تعمّد الظهور بكل تفاصيله أمام الكاميرات؟ هنا تتحول «الهرولة» من رياضة إلى مسرحية سياسية صغيرة، تختلط فيها حسابات الصورة والانطباع العام بإحراجات الجسد وواقعية العمر، في محاولة لإنتاج لقطة «مُقنعة» عن الجاهزية والقدرة على الاستمرار.

خلف هذه السخرية تكمن دلالة أعمق تتعلق بثقافة الاتصال السياسي في بريطانيا: حيث تُبنى الرسائل أحياناً على إشارات بصرية سريعة تصلح لعناوين الأخبار ووسائل التواصل، أكثر مما تُبنى على تفصيل السياسات. فالظهور في زي الركض يمنح السياسي فرصة لصناعة «قصة» سهلة التداول: رجل يتحرك، لا يكتفي بالكلام، يسبق خصومه خطوة، ويستعرض انضباطه الشخصي بوصفه مؤشراً على كفاءته العامة. لكن المفارقة، كما يوحي المقال، أن هذه الرمزية قد تنقلب على صاحبها حين تصبح مفتعلة أو تتنازعها تفاصيل مضحكة تسحب منها الجدية.

ويضع المقال بورنهام ضمن تقليد يمتد «من بلير إلى بورنهام»، في إشارة إلى أن الاستعراض الرياضي أو شبه الرياضي لم يكن يوماً مجرد نزوة شخصية، بل جزء من قاموس سياسي يربط اللياقة بالحيوية والقيادة. فالركض هنا لا يُقدَّم كعادة صحية فحسب، بل كبرهان ضمني على «الاستعداد»، وكأن السياسة سباقٌ دائم يتطلب من المرشح أن يبدو في حالة انطلاق مستمر. غير أن الكاتب يلمّح إلى أن هذا القاموس نفسه بات مستهلكاً؛ إذ تتكرر اللقطات حتى تفقد تأثيرها، وتتحول «الاستعارة» إلى كليشيه.

أما التداعيات المتوقعة، فتتعلق بكيفية استقبال الجمهور لهذه اللغة البصرية. ففي زمن يتزايد فيه التشكيك في «المسرح السياسي»، قد يواجه هذا النوع من الاستعراض اختباراً صعباً بين من يراه دليلاً على القرب من الناس والبساطة، ومن يراه محاولة للتغطية على غياب التفاصيل والبرامج. ومع اقتراب أي خطوة فعلية لبورنهام نحو البرلمان، ستكون صورته العامة—بين الرسالة المقصودة وما تلتقطه العدسات من مفارقات—جزءاً من معركة السردية التي ستحدد إن كانت «الهرولة» ستُقرأ كإشارة قوة أم كمشهد دعائي مكرر فقد قدرته على الإقناع.

📰 المصدر: المصدر