يونيو 9, 2026
يونيو 9, 2026

أساطير معاداة السامية من «فرية الدم» في العصور الوسطى إلى نظريات المؤامرة المعاصرة

تعود أساطير معاداة السامية إلى قرون طويلة، لكنها لم تفقد قدرتها على التحوّل وإعادة إنتاج نفسها في سياقات جديدة؛ فمن «فرية الدم» في أوروبا القرون الوسطى إلى نظريات المؤامرة التي تزدهر اليوم على منصات التواصل، تتكرر الأنماط ذاتها: اتهامات جماعية، وخطاب شيطنة، وروايات زائفة تُقدَّم بوصفها «حقائق» لتبرير الكراهية والإقصاء. ويستعرض تقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» هذا المسار التاريخي وكيفية استمرار تلك الخرافات بأشكال حديثة.

في جذور الحكاية، شكّلت «فرية الدم» واحدة من أكثر الاتهامات خطورة، إذ روّجت سردية تتهم اليهود بخطف الأطفال وقتلهم واستخدام دمائهم في طقوس دينية، وهي مزاعم لا أساس لها تاريخياً أو دينياً، لكنها كانت تُستخدم لتأجيج العامة وخلق ذريعة لأعمال عنف واضطهاد وملاحقات قضائية ومذابح محلية. ومع الزمن، لم تكن تلك الروايات مجرد شائعات عابرة، بل تحولت إلى أدوات تعبئة اجتماعية وسياسية تغذيها ظروف الفقر والخوف والصراعات الدينية.

ويضع التقرير هذه الخرافات ضمن سياق أوسع من «الأسطرة» التي تلصق جماعة بعينها بصورة نمطية: تارةً باعتبارها تهديداً دينياً أو أخلاقياً، وتارةً باعتبارها قوة خفية تتحكم في الاقتصاد والسياسة. وقد ساعدت هذه السرديات، تاريخياً، على نقل الغضب الشعبي من أسبابه الحقيقية إلى «عدو» مُتخيَّل، ما يسهّل على أطراف نافذة توجيه الرأي العام وإعادة ترتيب التحالفات والعداوات وفق مصالحها.

ومع دخول العالم العصر الحديث، تغيّرت لغة الاتهام وبقي الجوهر على حاله: فبدلاً من القصص الطقسية القديمة، ظهرت اتهامات تتحدث عن شبكات سرية وهيمنة على الإعلام والمال وصناعة القرار، أو عن «مخططات عالمية» تُحاك خلف الكواليس. ويشير التقرير إلى أن هذه النظريات تستعير مفرداتها من التاريخ لكنها تتلوّن بلباس جديد، ما يمنحها قابلية للانتشار بين شرائح لا تُدرك جذورها أو تلتقطها عبر محتوى مجتزأ ومثير.

وتتضاعف خطورة هذه الأساطير في البيئة الرقمية، حيث يتيح التسويق الخوارزمي والمحتوى الفيروسي إعادة تدوير الأكاذيب بسرعة غير مسبوقة، كما تتقاطع الروايات المتطرفة مع خطاب سياسي شعبوي أو إعلام بديل يقدّم «تفسيرات سهلة» لأزمات معقدة. وفي مثل هذا المناخ، يصبح تفكيك المعلومة أصعب، وتتحول الشائعة إلى «قناعة» حين تُكرّر داخل دوائر مغلقة، ما يخلق أرضية خصبة للتمييز والتحريض وربما العنف.

ويخلص التقرير إلى أن مواجهة هذه الظواهر لا تتوقف عند الإدانة الأخلاقية، بل تتطلب عملاً مركباً يشمل التعليم التاريخي، وتعزيز التفكير النقدي، ورصد خطاب الكراهية، والمسؤولية الإعلامية في تدقيق الادعاءات وعدم منح المنصات للروايات التحريضية. وفي المرحلة المقبلة، يُتوقع أن يتواصل الجدل حول كيفية الموازنة بين حرية التعبير ومكافحة التحريض، في وقت تتسارع فيه صناعة «المحتوى المؤامراتي» وتزداد قدرته على التأثير في السلوك العام والسياسات.

📰 المصدر: المصدر