صقلية تمتلك «بومبيي ثانية»… لكن الخرسانة تُخفيها عن الأنظار
تعود الأنظار مجدداً إلى صقلية بعد تقارير إعلامية تحدثت عن وجود «بومبيي ثانية» على الجزيرة الإيطالية، في إشارة إلى موقع أثري يُعتقد أنه يحتفظ بملامح مدينة قديمة طمرتها كارثة مفاجئة وحفظت تفاصيل الحياة اليومية فيها. غير أن المفارقة، بحسب ما أوردته شبكة CNN، أن هذا الكنز التاريخي لا ينام تحت رماد بركاني كما في بومبيي الشهيرة، بل تحت طبقات من الخرسانة الحديثة التي جعلت الوصول إليه وإبرازه للعلن مهمة شديدة التعقيد.
وتكتسب المقارنة مع بومبيي ثقلها من القيمة العلمية الفريدة لأي موقع أثري دُفن سريعاً، إذ غالباً ما يؤدي الدفن المفاجئ إلى «تجميد» لحظة تاريخية بكامل عناصرها: الشوارع، المباني، الأدوات، وربما حتى آثار الأنشطة اليومية. من هذا المنطلق، يثير الحديث عن موقع مشابه في صقلية اهتمام الباحثين والمؤرخين، باعتباره قادراً على تقديم أدلة جديدة عن أنماط العيش والعمران والتجارة في حوض المتوسط خلال عصور سابقة.
لكن ما يميز الحالة الصقلية، وفقاً للتقرير، هو أن الموقع لم يُغطَّ بطبقات طبيعية فقط، بل تغلّبت عليه التحولات العمرانية الحديثة، حيث حُجِبت أجزاء واسعة بفعل البناء فوقها وصب الخرسانة، ما يضع الموقع في قلب إشكال دائم بين حماية الإرث الثقافي ومتطلبات التوسع الحضري. وهذه المعضلة ليست جديدة على إيطاليا، التي تُعد من أكثر الدول ازدحاماً بالمواقع التاريخية، لكن تعقيدها يتضاعف عندما تكون الآثار تحت مناطق مأهولة أو منشآت قائمة.
وتشير خلفية القضية إلى تحديات متعددة تواجه أعمال التنقيب في مثل هذه المواقع: كلفة إزالة الخرسانة أو التعامل معها هندسياً دون إضرار بما تحتها، وإجراءات قانونية تتعلق بالملكية واستخدامات الأراضي، إضافة إلى حساسية قرار نقل السكان أو إيقاف مشاريع قائمة. وفي كثير من الأحيان، تتحول مواقع أثرية واعدة إلى «أسرى» للواقع العمراني، فتظل المعلومات عنها محصورة في قراءات أولية أو دلائل جزئية، بينما يُحرم الجمهور والبحث العلمي من استكشافها بالكامل.
ويحظى أي كشف من هذا النوع بأهمية سياحية واقتصادية محتملة لصقلية، التي تمتلك بالفعل مزيجاً غنياً من الإرث اليوناني والروماني والعربي والنورماني. فإتاحة موقع أثري كبير للزيارة قد تعني إضافة محطة جديدة على خريطة السياحة الثقافية، غير أن ذلك يتطلب خطة دقيقة للتنقيب والترميم والإدارة، بما يوازن بين فتح الموقع للزوار وضمان سلامته، وبين حقوق المجتمعات المحلية ومتطلبات البنية التحتية.
وفي المرحلة المقبلة، يُتوقع أن يظل مصير «البومبيي الصقلية» رهناً بما إذا كانت الجهات المعنية قادرة على توفير الموارد والغطاء القانوني اللازمين لعمليات تنقيب آمنة ومنهجية، أو على الأقل وضع تدابير حماية تمنع مزيداً من طمس الموقع. وبينما يرفع التقرير سقف الاهتمام الدولي بالقصة، تبقى الأسئلة الأساسية مطروحة: هل ستنجح صقلية في كشف هذا التاريخ المدفون وإخراجه من تحت الخرسانة، أم سيبقى كنزاً أثرياً محجوباً بواقع المدينة الحديثة؟
📰 المصدر: المصدر