«العمل الحقيقي يبدأ الآن».. الروما في قلب المشهد مع انتقال السلطة في المجر وتنصيب بيتر ماجيار
في مشهد لافت حمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، تصدّرت أقلية الروما واجهة الحدث في المجر بالتزامن مع تنصيب رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار، إيذاناً ببدء مرحلة سياسية تنهي 16 عاماً من حكم فيكتور أوربان. وبينما عمّت أجواء التفاؤل البلاد أملاً في تغيير طال انتظاره، شدّد ناشطون ومدافعون عن حقوق الروما على أن الرمزية وحدها لا تكفي، وأن «العمل الحقيقي يبدأ الآن» لترجمة تلك الإشارات إلى إصلاحات ملموسة تضمن حقوقاً متساوية ومناهضة فعلية للتمييز.
داخل البرلمان المجري المهيب، وتحت أقواسه المزخرفة وجدارياته الملكية، اصطفّ عدد من الفتيان الروما بربطات عنق سوداء على هيئة «بو تاي»، في لحظة بدا أنها صُممت لتقول الكثير عن وجه البلاد الذي يأمل كثيرون في رؤيته. وبعد دقائق من أداء ماجيار اليمين الدستورية، انطلق الموسيقيون الصغار بعزف النشيد غير الرسمي للروما في المجر، في مشهد تأثر به عدد من النواب إلى حد ذرف الدموع، وفق ما نقلته تقارير صحفية. وقد جمع هذا الموقف بين توقٍ وطني واسع إلى التغيير وبين تطلعات تاريخية متراكمة لدى واحدة من أكثر الفئات تهميشاً في البلاد.
ويرى مدافعون عن حقوق الروما أن ما جرى لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي في مراسم التنصيب، بل رسالة يمكن البناء عليها إذا ما اقترنت بإرادة سياسية واضحة. فخلال السنوات الماضية، تحدثت منظمات حقوقية مراراً عن أن الروما ظلوا يدفعون ثمناً مضاعفاً من الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، مع استمرار أشكال مختلفة من التمييز في فرص التعليم والعمل والسكن، إلى جانب الصور النمطية والخطاب المتشدد الذي يفاقم هشاشة اندماجهم في المجتمع.
وفي هذا السياق، اعتبر ناشطون أن سقوط حقبة أوربان الطويلة يفتح نافذة نادرة لإعادة تعريف علاقة الدولة بهذه الأقلية، وتبنّي سياسات تُصوّب ما وصفوه بإرث من التهميش والتمييز. ويؤكد هؤلاء أن العبرة ليست في دموع التعاطف أو لحظات الاحتفاء المؤقتة، بل في ما ستعتمده الحكومة الجديدة من إجراءات تُكافح التمييز بشكل صارم، وتضمن فرصاً متساوية، وتُحسن الوصول إلى الخدمات العامة، وتدعم إدماج الروما عبر خطط تعليمية وتنموية قابلة للقياس والمحاسبة.
وتزداد أهمية هذا الملف، بحسب مراقبين، لأن الروما في المجر يشكّلون إحدى أكبر الأقليات في البلاد، ولأن واقعهم يعكس بدقة درجة التزام السلطة الجديدة بمعايير حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. كما أن أي تحول حقيقي في سياسات الدولة تجاه الروما قد يُنظر إليه بوصفه مؤشراً مبكراً على اتجاه الحكومة الجديدة: هل ستسعى إلى رأب التصدعات المجتمعية وإعادة بناء الثقة، أم ستكتفي بإشارات رمزية لا تغيّر من الوقائع اليومية شيئاً؟
وفيما تتجه الأنظار إلى الأسابيع الأولى من عمل الحكومة الجديدة، يتوقع ناشطون أن تتحول «لحظة البرلمان» إلى اختبار سياسي: إما أن تكون بداية لمسار إصلاحي يُعيد الاعتبار لحقوق الروما ويُخفف من التمييز المتراكم، أو أن تُختزل في لفتة احتفالية لا تلبث أن تتبدد. ومع ارتفاع سقف التوقعات بعد انتقال السلطة، تبدو الحكومة الجديدة أمام فرصة ومسؤولية في آن واحد: تحويل الأمل الذي رافق التنصيب إلى سياسات عامة تترك أثراً ملموساً في حياة الروما والمجتمع المجري ككل.
📰 المصدر: المصدر
