قطر تسجّل حضورها الأول في بينالي البندقية بجناح يحتفي بالتعاون والطعام والفن الحي
تسجّل قطر مشاركتها الأولى في بينالي البندقية عبر جناح يراهن على روح الجماعة والتجربة الحيّة، مستنداً إلى فكرة أن الفن لا يكتمل داخل القاعات المعقّمة وحدها، بل يتشكّل أيضاً حول المائدة وفي لحظات اللقاء المباشر. ويقود المشروع الفنان ريركريت تيرافانيجا، في مقاربة تدمج الأداء والتشاركية والضيافة بوصفها لغة فنية قادرة على جمع الناس وصناعة معنى مشترك.
وبحسب المشروع، لا يُقدَّم الجناح بوصفه عرضاً تقليدياً لأعمال معلّقة أو قطع ثابتة، بل كمنصة ديناميكية تستضيف فنانين وموسيقيين وطهاة من مختلف أنحاء العالم العربي. وتقوم الفكرة على تحويل الجناح إلى مساحة تفاعل مستمر، حيث يصبح الجمهور جزءاً من التجربة، ويُعاد تعريف دور المتلقي من مشاهد صامت إلى مشارك في إنتاج اللحظة الفنية.
يقود تيرافانيجا هذا التوجّه انطلاقاً من تجربته المعروفة عالمياً في الأعمال التشاركية التي تتخذ من الطعام واللقاء الاجتماعي وسيطاً فنياً. فبدلاً من التركيز على المنتج النهائي، يسلّط هذا المسار الضوء على العملية نفسها: الحوار، والوجود المشترك، وتبادل الخبرات، وما ينشأ بين المشاركين من علاقات وتوترات وانسجام. في هذا الإطار، تتحوّل الموسيقى والطبخ والأداء الحي إلى مكوّنات متداخلة ضمن سردية واحدة تتجاوز الحدود التقليدية للفنون البصرية.
وتأتي هذه المشاركة في سياق اهتمام متزايد من دول المنطقة بتوسيع حضورها في أهم المحافل الثقافية العالمية، ليس عبر استعراض الهوية في شكلها الرمزي فحسب، بل عبر تقديم صيغ معاصرة تعكس تنوّع المشهد العربي وتعدد أصواته. ومن خلال جمع فنانين ومبدعين من بلدان عربية مختلفة، يقدّم الجناح صورة عن ثقافة عابرة للحدود، تتكئ على التعاون والتلاقي بدلاً من التمثيل الأحادي.
كما يطرح الجناح أسئلة أوسع حول معنى «التمثيل الوطني» في تظاهرة دولية كبرى مثل بينالي البندقية: هل هو عرض لأيقونات تراثية، أم مساحة لإنتاج خطاب فني حديث؟ هنا، تبدو الإجابة ضمنية في طبيعة المشروع نفسه، الذي يجعل من الممارسات اليومية—كالطهي والإنصات والمحادثة—مادة فنية، ويمنح «العيش المشترك» قيمة جمالية وسياسية في آن.
ومن المتوقع أن يفتح هذا الظهور الأول لقطر في بينالي البندقية الباب أمام مشاركات مستقبلية أكثر انتظاماً، وأن يرسّخ نموذجاً مختلفاً للأجنحة يقوم على التجربة الحيّة والاندماج مع الجمهور. كما قد يسهم في تعميق النقاش حول دور الفن التشاركي في قراءة تحولات المنطقة، وفي تعزيز حضور المبدعين العرب ضمن شبكات العرض الدولية، حيث لم يعد التنافس على المساحة فقط، بل على القدرة على ابتكار لغة معاصرة للتواصل والتأثير.
📰 المصدر: المصدر
