خطاب بوتين عن السلام يصطدم بشروط موسكو الحربية في أوكرانيا
يتزايد التناقض بين خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يكرر الدعوة إلى «السلام» وإنهاء القتال، وبين المطالب التي تطرحها موسكو على طاولة أي تسوية محتملة في أوكرانيا، والتي تُقرأ في كييف وعواصم غربية على أنها شروط تُكرّس مكاسب الحرب وتعيد تعريفها سياسياً وقانونياً. وفي وقت تُقدَّم فيه التصريحات الروسية بلهجة تصالحية، تُظهر التفاصيل أن «السلام» وفق الرؤية الروسية يبقى مرتبطاً بحزمة مطالب تُقارب مفهوم الإملاءات أكثر مما تعكس أرضية تفاوض متوازنة.
وتتمحور هذه المطالب، بحسب ما يُتداول في الخطاب الروسي الرسمي، حول ترتيبات أمنية وسيادية تمس جوهر الدولة الأوكرانية، بما في ذلك قيود على توجهاتها الاستراتيجية وعلاقاتها العسكرية، إلى جانب مقاربات تتعلق بالمناطق المتنازع عليها وحدود السيطرة على الأرض. وفي المقابل، ترى أوكرانيا أن أي مسار سلام لا يمكن أن يبدأ من نقطة تُضفي شرعية على واقع فرضته العمليات العسكرية، وتؤكد أن انسحاب القوات الروسية واحترام السيادة ووحدة الأراضي يمثل المدخل الطبيعي لأي تفاوض.
ويأتي هذا السجال في سياق حرب طويلة استنزفت الطرفين وأعادت تشكيل البيئة الأمنية في أوروبا، مع تصاعد كلفة القتال اقتصادياً وبشرياً، وتبدّل إيقاع المعارك بين هجمات متقطعة ومحاولات تثبيت خطوط تماس. ومع كل جولة من التصريحات عن الاستعداد للحوار، يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كانت موسكو تبحث عن مخرج تفاوضي فعلي أم عن صيغة تكرّس مكاسب ميدانية وتحول دون عودة أوكرانيا إلى خياراتها السياسية السابقة.
وعلى الضفة الأخرى، تواصل الدول الغربية دعمها العسكري والسياسي لأوكرانيا مع التشديد على أن التسوية يجب أن تكون «عادلة ودائمة»، وهو توصيف يضع قيوداً على أي اتفاق قد يبدو مكافأة لروسيا أو سابقة تُشجع على تغيير الحدود بالقوة. كما يظل ملف العقوبات حاضراً بوصفه أداة ضغط رئيسية، إذ تربط عدة عواصم تخفيف القيود الاقتصادية بتحقق شروط تتعلق بوقف إطلاق نار موثوق وانسحاب ملموس وترتيبات تضمن عدم تجدد القتال.
وفي الداخل الروسي، يُقرأ خطاب «السلام» أيضاً ضمن اعتبارات سياسية وإعلامية تهدف إلى تقديم صورة مفادها أن موسكو منفتحة على الحلول، وأن استمرار الحرب تتحمله «تعنت» كييف وحلفاؤها. إلا أن استمرار التمسك بسقف مطالب مرتفع يمنح هذا الخطاب طابعاً إشكالياً؛ إذ يبدو كأنه يطلب من الطرف الآخر القبول بنتائج الحرب بوصفها أساساً للسلام، ما يحد من فرص اختراق سياسي حقيقي ويُبقي الميدان هو المحدد الأبرز لمسار الأزمة.
ومن المرجح أن تتواصل المناوشات الدبلوماسية والإشارات المتبادلة حول المفاوضات، لكن فرص التقدم ستظل رهناً بتبدّل موازين القوى أو ظهور صيغ وسط تضمن لأوكرانيا سيادتها وتمنح روسيا مخرجاً يمكن تسويقه داخلياً. وحتى ذلك الحين، يتوقع مراقبون أن يبقى «السلام» عنواناً خطابياً يتقدّم في التصريحات ويتراجع أمام شروط الحرب، بينما يظل خطر التصعيد أو الجمود العسكري قائماً مع اقتراب كل استحقاق سياسي أو تحرك ميداني كبير.
📰 المصدر: المصدر