مسؤولية السابع من أكتوبر لا تقع على طرف واحد: قراءة افتتاحية في تشظّي اللوم وتداعياته
يذهب هذا الطرح الافتتاحي إلى أن ما جرى في السابع من أكتوبر لا يمكن اختزاله في «مذنب واحد» أو معسكر بعينه، بل هو نتيجة تراكب عوامل وإخفاقات متعددة على مستويات سياسية وأمنية ومجتمعية. ووفق المقاربة التي يعكسها العنوان، فإن توزيع المسؤولية يتجاوز منطق المحاسبة الانتقائية، ليفتح نقاشاً أشمل حول مناخ القرارات، ومستوى الجاهزية، وكيفية إدارة التحذيرات والتقديرات الاستخباراتية قبل الحدث.
في قلب الفكرة أن الأحداث الكبرى لا تنشأ من فراغ، وأن التركيز على جهة واحدة قد يلبّي حاجة لحسمٍ سياسي سريع أو لتسجيل نقاط في سجال داخلي، لكنه لا يضمن بالضرورة الوصول إلى إجابات عملية تمنع تكرار الانهيار ذاته. وتلمّح الافتتاحية، بحسب دلالة العنوان، إلى أن السجال حول «من المسؤول» ينبغي أن يستوعب صورة أوسع: من اتخذ القرارات؟ ومن تجاهل الإشارات؟ ومن أسهم في خلق بيئة تجعل المفاجأة ممكنة؟
كما يشير الطرح إلى أن المشهد الداخلي كان، في الفترة السابقة، شديد الاستقطاب، وهو ما قد ينعكس على طريقة عمل المؤسسات وثقة الجمهور بها. فحين تتقدم الحسابات الحزبية وتعلو معارك الداخل، يصبح من السهل أن تتراجع أولويات الاستعداد، أو أن تتعرض سلاسل اتخاذ القرار والإنذار المبكر للتشويش بفعل الانقسامات والتجاذبات.
ومن زاوية أخرى، يلمّح المنطق الذي يقوده العنوان إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالمساءلة السياسية وحدها، بل التوقف أيضاً عند البعد المؤسسي: آليات التنسيق بين الجهات المختلفة، وطبيعة تقييم المخاطر، والافتراضات التي حكمت تقدير نيات الخصوم وقدراتهم. فالفشل في الأحداث المفصلية غالباً ما يكون مركباً، يتوزع بين سوء تقدير، ونقص استعداد، وتراخٍ في استيعاب المعطيات، وإفراط في الثقة بالتصورات السائدة.
وتمتد دلالات هذا الاتجاه إلى ما بعد «تحديد المخطئ»، نحو سؤال الإصلاح. فالإقرار بأن المسؤولية ليست حكراً على جهة واحدة يعني—ضمنياً—أن المعالجات يجب أن تكون شاملة: مراجعة منظومات الإنذار والاستجابة، وتقييم السياسات التي سبقت الحدث، وتحصين قنوات صنع القرار من ضغط الاستقطاب. كما يعني أن النقاش العام ينبغي أن يتجنب تحويل المحاسبة إلى أداة للإقصاء أو التبرئة، وأن يركّز على الوقائع القابلة للتحقق والآليات القابلة للتطوير.
وفي المحصلة، فإن أهم ما يُنتظر من مثل هذا الطرح هو أن يدفع باتجاه تحقيقات ومراجعات أوسع وأقل خضوعاً للانقسام السياسي، وأن يضع معياراً للمساءلة يتناسب مع حجم الحدث وتعقيداته. وإذا اتسعت دائرة اللوم لتشمل أكثر من معسكر، فإن التحدي الأكبر سيكون تحويل ذلك إلى مسار إصلاحي يرفع الجاهزية ويعيد بناء الثقة، بدلاً من أن يتحول إلى مجرد إعادة توزيع للاتهامات في موسم صراع داخلي مفتوح.
📰 المصدر: المصدر