فعالية دعاء في «الناشونال مول» تثير مخاوف من تآكل الفصل بين الدين والدولة في عهد ترامب
أثارت فعالية دعاء أُقيمت في متنزّه «الناشونال مول» بواشنطن موجة قلق جديدة في أوساط مراقبين وحقوقيين، على خلفية اتهامات بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدفع باتجاه تقليص المسافة الفاصلة بين المؤسسة الدينية ومؤسسات الحكم. وجاءت الانتقادات على وقع تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تحملها الفعالية، وحول ما إذا كانت تعبّر عن ممارسة دينية عامة أم عن انخراط سياسي قد يلامس حدود الدستور الأميركي ومبدأ حياد الدولة تجاه الأديان.
ووفق ما أوردته شبكة «سي إن إن»، فإن الحدث الذي اتخذ طابعاً دينياً عاماً سرعان ما تحوّل إلى نقطة اشتباك سياسي وقانوني، إذ رأى منتقدون أنه يتجاوز كونه تجمعاً روحياً، ليُقرأ في سياق أوسع يتصل بنهج الإدارة في تعزيز حضور الخطاب الديني في الفضاء الرسمي. ويستند هذا القلق إلى مبدأ راسخ في الثقافة الدستورية الأميركية، يقوم على الفصل بين الكنيسة والدولة، بما يضمن حرية المعتقد من جهة، ويمنع توظيف أجهزة الدولة لخدمة دين بعينه من جهة أخرى.
وتعود حساسية هذا الملف إلى أن «الناشونال مول» يعدّ من أكثر المواقع رمزية في العاصمة الأميركية، ويستضيف تقليدياً تجمعات وطنية كبرى بمختلف توجهاتها، من الاحتجاجات السياسية إلى الفعاليات الثقافية والاجتماعية. غير أن إقامة فعالية دعاء في هذا المكان، وسط أجواء سياسية مستقطبة، دفعت بعض الأطراف إلى التساؤل عمّا إذا كان ثمة دعم أو تشجيع رسمي مباشر أو غير مباشر، وما إذا كانت الحدود الفاصلة بين حق الأفراد في التعبير الديني وبين استخدام الرمزية الحكومية قد باتت أقل وضوحاً.
ويرى متابعون أن المخاوف لا تنبع من الحدث وحده، بل من تراكُم إشارات اعتُبرت من قبل منتقدي ترامب خطوات متتالية لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة. ففي السنوات الماضية، سعت الإدارة الجمهورية إلى مخاطبة قواعد اجتماعية محافظة، وخصوصاً التيار الإنجيلي، عبر تبنّي خطاب يؤكد «إعادة الدين إلى المجال العام»، وهو ما يراه مؤيدون حقاً سياسياً مشروعاً، بينما يعتبره معارضون محاولة لفرض قراءة دينية على السياسات العامة أو لتفضيل فئة دينية على أخرى.
في المقابل، يلفت آخرون إلى أن الدستور الأميركي يكفل حرية ممارسة الشعائر، وأن التجمعات الدينية في الأماكن العامة ليست جديدة ولا محظورة بحد ذاتها، ما يجعل الجدل مرتبطاً بالتفاصيل: طبيعة الجهات المنظمة، وحدود مشاركة المسؤولين، وما إذا كانت الفعالية تُقدَّم كحدث مجتمعي مستقل أو كمنصة سياسية مقنّعة. وبين هذين الموقفين، يتسع النقاش حول كيفية حماية التعددية الدينية وحقوق غير المتدينين في آن واحد، دون المساس بحرية التعبير والتجمع.
ومن المتوقع أن تتواصل تداعيات هذه القضية في الأشهر المقبلة، مع اتساع الاستقطاب السياسي قبيل الاستحقاقات الانتخابية، وتزايد اللجوء إلى القضايا الثقافية والهووية كأدوات تعبئة. وقد يفضي استمرار الجدل إلى مطالبات بمراجعة القواعد الناظمة لمشاركة المسؤولين في فعاليات دينية، أو إلى نقاشات قانونية أوسع بشأن ما يُعدّ دعماً حكومياً للدين وما يقع ضمن حدود التعبير الشخصي. وفي جميع الأحوال، يبدو أن «الجدار» الذي يفصل بين الكنيسة والدولة سيظل محوراً ساخناً في السياسة الأميركية كلما تداخلت الرمزية الدينية مع السلطة.
📰 المصدر: المصدر