يونيو 13, 2026
يونيو 13, 2026

«موليير إكس ماشينا».. الذكاء الاصطناعي يعيد إحياء كاتب فرنسا الأشهر على خشبة فرساي

بعد أكثر من 350 عاماً على رحيله، يعود موليير—أيقونة المسرح الفرنسي وقرين شكسبير في المخيال الثقافي الأوروبي—إلى واجهة المشهد الفني عبر تجربة غير مسبوقة توظّف الذكاء الاصطناعي في صناعة عمل «جديد» على طريقته. فقد شهدت فرساي عرضاً كوميدياً تجريبياً يتضمن حواراً وموسيقى وأزياء وديكوراً صُممت أو كُتبت بمساندة أداة ذكاء اصطناعي تحمل اسم «Le Chat»، في محاولة لاستنساخ الروح الساخرة واللغة المسرحية التي طبعت أعمال الكاتب في القرن السابع عشر.

ووفقاً للتجربة التي قادها باحثون من جامعة السوربون في باريس، جرى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً مساعداً في بناء عناصر العرض، لا مجرد وسيلة تقنية لإنتاج نص. وتركّزت الفكرة على محاكاة الأسلوب المولييري الذي جمع بين خفة الكوميديا وحدّة النقد الاجتماعي، واستحضار إيقاع الحوار وتراكيب اللغة ونبرة السخرية التي ميّزت نصوصه، بما يتيح اختبار الحدود الفاصلة بين «إبداع بشري» و«إعادة توليد» تقوم بها الخوارزميات.

يحظى موليير بمكانة مركزية في الثقافة الفرنسية؛ فهو المرجع الكلاسيكي الذي صاغ صورة المجتمع وسلوكيات طبقاته عبر مسرحيات هجائية لاذعة، جعلت من الكوميديا أداة تفكيك اجتماعي وسياسي. ومن هذا المنطلق، تبدو محاولة كتابة عمل «على طريقته» أكثر من مجرد تمرين لغوي؛ إذ تمسّ منطقة حساسة تتعلق بالذاكرة الأدبية، وبكيفية التعامل مع التراث: هل يُحفظ بوصفه نصاً مغلقاً، أم يُتاح إعادة تأويله وإنتاجه بوسائل عصر جديد؟

ويأتي اختيار فرساي لاحتضان العرض بما تحمله من رمزية تاريخية ليؤكد أن التجربة لا تستهدف جمهور المختبرات فحسب، بل تسعى لطرح سؤال واسع في قلب المؤسسة الثقافية: ماذا يعني أن تظهر «مسرحية جديدة» لكاتب رحل منذ قرون؟ وكيف يمكن تقييم عمل يتكئ على ذكاء اصطناعي في إنتاج نصه أو عناصره السمعية والبصرية؟ وفي هذه الحالة، لم يقتصر الاستخدام على صياغة الحوار، بل امتد إلى الموسيقى والأزياء والسينوغرافيا، بما يجعل العرض نموذجاً عملياً لتداخل الأدوات الرقمية في صناعة المسرح.

في المقابل، تفتح التجربة نقاشاً مهنياً وأخلاقياً في الوسط الثقافي حول الملكية الفكرية، وحدود الاقتباس، ودور الباحثين والفنانين في توجيه الأداة التي «تتعلّم» من النصوص السابقة لتولّد نصاً مشابهاً. كما تثير أسئلة حول معايير الأصالة: هل تُقاس بحداثة النص أم بفرادته؟ وهل يمكن فصل «الأسلوب» عن «صاحبه» عندما يصبح قابلاً للمحاكاة التقنية؟ وبينما يرى مؤيدون أن الذكاء الاصطناعي قد يقدم أدوات جديدة لتجديد العلاقة مع الكلاسيكيات، يحذر آخرون من تحويل الأدب إلى قوالب قابلة للتكرار، أو إضعاف قيمة العمل الإبداعي البشري.

ومن المتوقع أن تتسع تداعيات هذه الخطوة لتطال مؤسسات التعليم والنشر والمسارح، مع تنامي التجارب التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج نصوص أو عروض «على طريقة» كبار الأدباء. وقد تشجع هذه التجربة على مشاريع مماثلة تستهدف كتاباً كلاسيكيين آخرين، لكنها في الوقت نفسه ستدفع نحو وضع أطر أوضح للاستخدام، والتوثيق، والإفصاح عن دور الأدوات الرقمية في الإنتاج الفني. وفي كل الأحوال، يبدو أن «موليير» الجديد يفتح باباً لنقاش طويل حول مستقبل الإبداع حين يصبح التراث قابلاً لإعادة التشغيل بخوارزميات القرن الحادي والعشرين.

📰 المصدر: المصدر