«بعضهم يُخفي صليبه»: الاعتداء على راهبة في القدس يسلّط الضوء على تصاعد الاعتداءات المعادية للمسيحيين في إسرائيل
أثار تعرّض راهبة أجنبية لاعتداء جسدي عنيف في القدس، الشهر الماضي، موجة استنكار واسعة داخل الأوساط الكنسية والحقوقية، لكنه لم يكن مفاجئاً لكثيرين من الناشطين المحليين ورجال الدين. فالحادثة، بحسب شهاداتهم، تأتي ضمن نمط متنامٍ من الاعتداءات المعادية للمسيحيين في إسرائيل، بات يدفع بعض المسيحيين إلى اتخاذ إجراءات احترازية تصل إلى إخفاء الرموز الدينية في الأماكن العامة.
ويقول ناشطون ورجال دين إن صدمتهم من الاعتداء اقترنت بإحساس متراكم بأن التحريض والتعدّي على المسيحيين لم يعد مجرد حوادث متفرقة، بل ظاهرة تتصاعد بوتيرة لافتة خلال السنوات القليلة الماضية. ويرون أن الاعتداء الذي طال الراهبة ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة وقائع تتراوح بين المضايقات اللفظية والبصق على رجال الدين، وصولاً إلى العنف الجسدي والتخريب، ما يعكس تراجعاً مقلقاً في الإحساس بالأمان لدى شرائح من المجتمع المسيحي، خصوصاً في مدينة حساسة دينياً مثل القدس.
وتبرز في خلفية هذه التطورات، وفق ما يورده التقرير، مشكلة أعمق تتصل بتنامي حضور مجموعات صغيرة لكنها شديدة الانغلاق، تنتمي في معظمها إلى تيارات قومية دينية متطرفة أو أوساط يهودية حريدية (ألترا-أرثوذكسية). ويشير متابعون إلى أن أفراداً من هذه الفئات باتوا أكثر جرأة على التعبير عن غضبهم وكراهيتهم من خلال سلوكيات عدوانية في الفضاء العام، مستفيدين من مناخ اجتماعي وسياسي يرونه أقل رادعاً، ومن إحساس متزايد بالحصانة أو التساهل.
وفي سياق مدينة تجتمع فيها الديانات وتتنازع فيها الرموز والهويات، يكتسب أي اعتداء على رجال دين أو مؤسسات دينية أبعاداً تتجاوز الشخص المعتدى عليه، لتلامس صورة التعايش وحرية العبادة ومكانة الأقليات الدينية. ويؤكد رجال دين أن تكاثر الحوادث يترك أثراً مباشراً على حياة الرهبان والراهبات، وعلى حركة الحجاج والزوار، وعلى حضور الكنائس ومؤسساتها الخدمية والتعليمية، فضلاً عن أنه يهدد بنقل التوترات من مستوى التعايش اليومي إلى مستوى صدامات أكثر اتساعاً إذا لم تتم مواجهته بوضوح وحزم.
ويرى معنيون من داخل المجتمع المسيحي أن ما يجري يفرض نقاشاً حول مسؤولية المؤسسات الرسمية والمجتمعية في ضمان حرية العبادة وحماية الرموز الدينية ومنع خطاب الكراهية. كما يلفتون إلى أن المشكلة ليست في المجتمع الإسرائيلي ككل، بل في فئة محدودة تتصرف بعنف وتستند إلى تفسيرات متشددة ورؤى إقصائية، إلا أن خطورة الظاهرة تكمن في قدرتها على التأثير في المجال العام إذا لم تُواجَه بإجراءات رادعة وإدانات سياسية ودينية صريحة.
وتُرجّح الأوساط الكنسية والناشطون أن يتزايد الضغط في المرحلة المقبلة باتجاه ملاحقة المعتدين قضائياً وتعزيز إجراءات الحماية حول المواقع الدينية، مع تنامي الدعوات إلى مبادرات حوار وتوعية للحد من التحريض. وفي المقابل، يبقى احتمال استمرار الاعتداءات قائماً ما لم تُقرن الإدانات بخطوات عملية، ما يجعل حادثة القدس الأخيرة بمثابة جرس إنذار جديد حول مستقبل العلاقة بين الأقليات المسيحية ومحيطها، وحول قدرة السلطات على احتواء ظاهرة تتوسع رغم أنها صادرة عن أقلية متشددة.
📰 المصدر: المصدر