لا تتعجّل استخدام مبيد الحشرات: دراسة تكشف مؤشرات على شعور الحشرات بالألم بعد رعاية الجراد لقرون استشعاره المصابة
توصلت دراسة علمية جديدة إلى ما قد يغيّر الطريقة التي ينظر بها كثيرون إلى عالم الحشرات: ثمة دلائل سلوكية على أن بعض الحشرات، ومنها صرصور الليل (الكريكيت)، قد تختبر شعوراً قريباً من الألم، لا مجرد رد فعل عصبي آلي. ويستند الباحثون إلى ملاحظة أن هذه الحشرات تُظهر سلوكيات «حماية ذاتية مرنة» عند الإصابة، إذ تعمد إلى مداعبة قرن الاستشعار المصاب وتنظيفه كما يفعل كلب حين يلعق كفّه المؤلمة.
وتشير الدراسة إلى أن «الحماية الذاتية المرنة» تُعدّ مؤشراً سلوكياً مهماً يمكن عبره تقييم ما إذا كان الحيوان يشعر بالألم. فبدلاً من استجابة فورية قسرية تُحفّزها الأعصاب بشكل تلقائي، يظهر الحيوان – وفق هذا المنظور – سلوكاً متكرراً وهادفاً يركّز على موضع الإصابة، بما يوحي بوجود حالة انزعاج ممتدة تدفعه إلى العناية بالمنطقة المتضررة وتقليل التعرض لمزيد من الأذى.
وفي هذا السياق، نقلت الدراسة عن الأستاذ المشارك توماس وايت، اختصاصي علم الحشرات في جامعة سيدني، قوله إن تجربة الألم تُشبه «إحساساً مؤلماً ممتداً وطويلاً»، وتختلف عن رد الفعل العصبي «المبرمج» الذي يحدث تلقائياً عند التعرض لمثير حاد. ويعني ذلك أن ما يُرصد لدى صرصور الليل ليس مجرد حركة انعكاسية لحظية، بل نمط سلوك قد يحمل دلالة على حالة شعورية تستمر بعد وقوع الإصابة.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل تمتلك الحشرات وعياً حسياً يسمح لها بالشعور بالألم؟ فعلى مدى سنوات طويلة، ساد الاعتقاد بأن الكائنات الصغيرة ذات الأجهزة العصبية البسيطة لا تختبر الألم بالشكل الذي نعرفه لدى الثدييات، وأن استجابتها للمؤذيات هي مجرد انعكاسات بيولوجية. غير أن رصد سلوك «التمريض» لدى قرون الاستشعار يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا التصور، ويقترح أن لدى بعض الحشرات آليات تتجاوز الاستجابة الميكانيكية المباشرة.
وتفتح الدراسة الباب أمام نقاش أوسع يمتد من المختبر إلى السياسات العامة، بما في ذلك معايير التعامل مع الحشرات في الأبحاث العلمية وطرق المكافحة في البيئات الزراعية والمنزلية. فإذا تعززت الأدلة على وجود تجارب ألم أو ما يقاربها لدى الحشرات، فقد تنشأ دعوات لإعادة النظر في بعض الممارسات، أو على الأقل تبنّي وسائل أكثر «رحمة» أو أقل إيلاماً حيثما أمكن، تماماً كما حدث في نقاشات سابقة حول رفاهية الحيوانات في مجالات التجارب والإنتاج الغذائي.
ومع أن هذه النتائج لا تحسم الجدل نهائياً، فإنها تُرجّح كفة الاتجاه الداعي إلى بناء تقييمات علمية أكثر دقة حول الإحساس بالألم لدى الكائنات غير التقليدية. ويتوقع أن تتبع ذلك دراسات تركز على أنواع أخرى من الحشرات وعلى مؤشرات إضافية تتجاوز السلوك الظاهر، مثل التغيرات العصبية والفسيولوجية المرتبطة بالإصابة. وفي حال تراكمت الأدلة، فقد نشهد تحولات تدريجية في قواعد البحث العلمي وفي الخطاب الأخلاقي المتعلق بالتعامل مع الحشرات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن المكافحة، بل إعادة تعريفها على أسس أكثر علماً ومسؤولية.
📰 المصدر: المصدر
