عودة معاداة السامية إلى الواجهة بعد 7 أكتوبر رغم عقود من إحياء الذاكرة
أثار تصاعد الخطاب المعادي لليهود في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر موجة قلق واسعة، بعدما بدا لكثيرين أن عقودًا من إحياء ذكرى المحرقة وتعزيز ثقافة التذكّر في الغرب قد أرست حواجز أخلاقية وقانونية تحدّ من عودة الكراهية إلى المجال العام. غير أن الأشهر التي تلت ذلك التاريخ كشفت، وفق ما تتداوله تقارير وتحليلات، عن عودة معاداة السامية بأشكال متعددة، من الفضاء الرقمي إلى ساحات الاحتجاجات والجامعات، وصولًا إلى وقائع تهديد وعنف في بعض المدن.
وجاء هذا التصاعد في سياق حرب غزة وما رافقها من استقطاب سياسي وإعلامي حاد، تداخلت فيه المواقف من السياسات الإسرائيلية مع توجّهات أيديولوجية أوسع، ما جعل الحدود بين النقد السياسي المشروع وبين التحريض على جماعة دينية أو إثنية أكثر ضبابية. وفي خضم هذا الاستقطاب، برزت شعارات وتعميمات تستهدف اليهود كيهود، لا بوصفهم طرفًا سياسيًا، وهو ما أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من أن الأزمات الكبرى تُستخدم عادةً ذريعة لإحياء صور نمطية وإطلاق اتهامات جماعية.
وتشير الخلفية التاريخية إلى أن مشاريع “التذكّر” التي انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية—من المتاحف والنصب التذكارية والمناهج التعليمية إلى أيام الإحياء الرسمية—كانت تهدف إلى ترسيخ درس أخلاقي جامع: ألا تتكرر الإبادة وألا يُسمح للكراهية أن تتحول إلى سياسة. إلا أن الخبرة الراهنة توحي بأن الذاكرة، مهما كانت مؤسسية، لا تكفي وحدها لردع موجات التعصب عندما تتغذى على خطاب شعبوي أو على نظريات مؤامرة تتسع رقعتها مع سرعة انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية.
وتتخذ معاداة السامية اليوم طيفًا واسعًا من الأشكال: من إنكار حق اليهود في الوجود الآمن، إلى تحميلهم مسؤوليات جماعية عن قرارات دول، إلى إعادة تدوير مفردات تاريخية عن السيطرة على المال والإعلام، فضلًا عن التحرشات والتهديدات التي تتزايد عادةً في أزمنة التوتر السياسي. وفي الوقت ذاته، يحذّر مراقبون من أن بعض النقاشات العامة باتت تُدار بمنطق الاستقطاب الصِفري، حيث يُنظر إلى كل موقف باعتباره “انحيازًا كاملًا”، ما يقلّص مساحة التعاطف الإنساني المتوازن ويغذي خطاب التعميم والكراهية.
وتتعقد الصورة أكثر مع انقسام المجتمعات الغربية بين حماية حرية التعبير وبين الحاجة إلى ضبط خطاب الكراهية. ففي حين يرى البعض أن التضييق القانوني قد يفتح الباب لمساس أوسع بالحريات، يؤكد آخرون أن التساهل أمام التحريض يخلق بيئة تهديد للأقليات ويقوّض السلم الاجتماعي. وبين هذين المنظورين، تبرز دعوات لتعزيز التعليم النقدي حول التاريخ، وتحديث أدوات رصد خطاب الكراهية، ودعم المبادرات التي تميّز بوضوح بين النقد السياسي وبين استهداف الجماعات الدينية أو الإثنية.
ومن المتوقع أن تتواصل تداعيات هذا المشهد خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بالحرب والنقاشات الحادة حولها. ويرجّح أن تتجه الحكومات والمؤسسات التعليمية ومنصات التواصل إلى مراجعة سياساتها بين الردع والحماية، فيما ستبقى المجتمعات أمام اختبار حقيقي: كيف تصون حق الاختلاف السياسي، من دون أن تسمح بتحوله إلى بوابة لتطبيع الكراهية وإعادة إنتاجها تحت عناوين جديدة.
📰 المصدر: المصدر