دروس في طول العمر: ما الذي يمكن للأميركيين أن يتعلّموه من تجربة كوريا الجنوبية؟
تسلّط تقارير صحفية الضوء على تجربة كوريا الجنوبية بوصفها نموذجاً لافتاً في تحسين مؤشرات طول العمر، وتطرح سؤالاً مباشراً أمام المجتمع الأميركي: ما الذي يمكن تعلّمه من سياسات وعادات ساعدت الكوريين الجنوبيين على رفع متوسط العمر المتوقع خلال فترة زمنية وجيزة؟ وفي وقت تتزايد فيه المخاوف الأميركية من تباطؤ مكاسب الصحة العامة وتفاقم الأمراض المزمنة، تبدو المقارنة مع سيول نافذة لفهم عناصر النجاح وما يمكن نقله أو تكييفه محلياً.
وخلال العقود الأخيرة، حققت كوريا الجنوبية قفزات واضحة في مجالات الرعاية الصحية والوقاية، مستفيدة من توسع التغطية الطبية وتحسين الوصول إلى الخدمات، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الصحية وتطوير الكوادر. كما أسهمت المتابعة الصحية الدورية وثقافة الفحوصات الوقائية في رصد المشكلات مبكراً، ما ينعكس على خفض الوفيات المرتبطة بأمراض يمكن التحكم فيها إذا اكتُشفت في الوقت المناسب.
وفي جانب لا يقل أهمية، ترتبط قضية طول العمر بنمط الحياة اليومي، بما في ذلك العادات الغذائية والحركة البدنية. فالتقاليد الغذائية في كوريا الجنوبية تميل إلى الاعتماد على وجبات متوازنة وتنوع في المكونات، مع حضور كبير للخضراوات والأطعمة المخمّرة، إضافة إلى حصص أصغر مقارنة بالأنماط الشائعة في بعض المجتمعات الغربية. كما أن طبيعة المدن وكثافة استخدام وسائل النقل العام والمشي ضمن الروتين اليومي قد تدعم نشاطاً بدنياً منتظماً، وهو عامل محوري في تقليل مخاطر السمنة والسكري وأمراض القلب.
ولا تنفصل هذه العناصر عن السياق الاجتماعي والتنظيمي؛ إذ تؤثر خيارات التخطيط العمراني، والبيئات الداعمة للصحة، وسياسات الحد من بعض المخاطر على مستوى السكان. وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات مركبة تتراوح بين تباين الوصول إلى الرعاية الصحية، واتساع فجوة الدخل، وتفاوت جودة الغذاء المتاح، إضافة إلى ضغوط الحياة الحديثة التي تؤثر في النوم والصحة النفسية، وكلها عوامل تنعكس على متوسط الأعمار وجودة الحياة في سنواتها المتقدمة.
ومن منظور المقارنة، لا يعني نجاح كوريا الجنوبية أن الحلول قابلة للاستنساخ الحرفي في الولايات المتحدة، إلا أن الدروس المستفادة قد تبدأ من تعزيز الوقاية والرعاية الأولية وتوسيع برامج الفحص المبكر، مروراً بإعادة التفكير في السياسات الغذائية وتشجيع النشاط البدني عبر تخطيط حضري أكثر ملاءمة للمشي، وصولاً إلى معالجة المحددات الاجتماعية للصحة التي تصنع الفارق بين مجتمع وآخر. كما يُنظر إلى أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة والقطاع الصحي والمؤسسات التعليمية والإعلام لخلق ثقافة عامة تُقدّم الصحة كاستثمار طويل الأمد.
وفي المرحلة المقبلة، من المتوقع أن تتزايد النقاشات في الولايات المتحدة حول كيفية إبطاء تدهور المؤشرات الصحية وتقليص الفوارق، خصوصاً مع تقدّم السكان في السن وارتفاع كلفة الأمراض المزمنة. وقد يدفع تسليط الضوء على التجربة الكورية الجنوبية صناع القرار والباحثين إلى التركيز على حزمة إجراءات تجمع بين الوقاية وتحسين نمط الحياة وتطوير السياسات العامة، بما يهدف إلى زيادة سنوات العمر الصحية، لا مجرد رفع متوسط العمر المتوقع.
📰 المصدر: المصدر