«الرحّالة» يوثّق حكايات ناجين من المحرقة في بولندا فرّوا إلى الاتحاد السوفييتي
يسلط عمل يحمل عنوان «الرحّالة» الضوء على فصل شديد الحساسية من تاريخ المحرقة، عبر تتبّع مصائر ناجين من يهود بولندا اضطروا إلى الفرار شرقاً نحو الاتحاد السوفييتي هرباً من آلة الإبادة النازية. ويقدّم العمل سرداً إنسانياً يركّز على تجربة النزوح القسري وما رافقها من فقدان وتشظّي للهوية، في محاولة لإعادة الاعتبار لقصص بقيت طويلاً على هامش الرواية الأكثر شيوعاً عن الحرب العالمية الثانية.
وبحسب ما يورده «جيروزالم بوست»، فإن «الرحّالة» لا يكتفي بتقديم الحكاية بوصفها حدثاً تاريخياً، بل يعالجها كمسار حياة ممتد، يبدأ من لحظة الفرار الأولى وصولاً إلى ما خلّفته سنوات التهجير من آثار نفسية واجتماعية على الناجين وأسرهم. وتظهر في قلب السرد أسئلة الانتماء والاقتلاع، وكيف يمكن للنجاة نفسها أن تتحول إلى عبء ثقيل حين تأتي مقرونة بالحرمان والانتظار وانقطاع الصلات بالوطن.
ويأتي هذا الطرح في سياق تاريخي معقّد، إذ وجد كثير من يهود بولندا أنفسهم بين فكي كماشة: احتلال نازي دموي من جهة، وتحوّلات سياسية وأمنية قاسية في الشرق من جهة أخرى. فالفرار إلى الأراضي السوفييتية كان بالنسبة للبعض خياراً وحيداً لتفادي الإبادة، لكنه لم يكن طريقاً آمناً بالضرورة؛ إذ واجه الفارّون ظروفاً قاسية من التشرد والعمل الإجباري ونقص الموارد، فضلاً عن تغيّرات متسارعة فرضتها الحرب على المجتمعات والحدود والقرارات المصيرية للأفراد.
ويركّز «الرحّالة» على البعد الإنساني للأرقام والوقائع، عبر تقديم شهادات وتفاصيل يومية تعكس طبيعة الحياة في المنفى: من رحلات القطارات الطويلة، إلى مراكز الإيواء، إلى محاولات بناء حياة جديدة تحت وطأة الشك والخوف. كما يبرز التوتر الدائم بين الرغبة في البقاء وبين الإحساس بأن النجاة لا تعني بالضرورة التحرّر من الفقد، وأن مسار العودة—إن حدث—يكون غالباً ملغّماً بصدمة ما بعد الحرب وتبدّل المدن والبيوت والعلاقات.
وتكتسب هذه القصص أهمية خاصة لأنها تفتح نافذة على تجربة أقل حضوراً في الوعي العام، مقارنة بسرديات المعسكرات والغيتوهات في أوروبا المحتلة. ومن خلال إعادة سرد هجرة الناجين إلى الاتحاد السوفييتي، يقدّم العمل مادة تساعد على فهم أوسع لتعدد مسارات النجاة، وكيف أن خيارات البقاء كانت مرتبطة بالجغرافيا والسياسة وتقلّبات الجبهات، فضلاً عن شبكات المساعدة والصدف القاسية التي حكمت مصير الأفراد.
ومن المتوقع أن يثير «الرحّالة» نقاشاً أوسع حول الذاكرة التاريخية وكيفية تمثيل المحرقة في الأعمال الثقافية، ولا سيما ما يتعلق بمناطق «الرماد» بين النجاة والمعاناة في المنافي. كما قد يعيد تسليط الضوء على شهادات أسر ما تزال تبعات النزوح حاضرة في تاريخها الشخصي، في وقت تتزايد فيه أهمية توثيق الروايات الفردية بوصفها رافداً أساسياً لفهم الماضي ومواجهة محاولات التبسيط أو التسييس أو النسيان.
📰 المصدر: المصدر