مبيمبي: نهاية «حكم الشيخوخة» في إفريقيا… والقارة ترفض وصاية «السلطة الأخلاقية» لكبار السن
على هامش قمة «أفريقيا إلى الأمام» التي استضافتها جامعة ستراثمور في كينيا، قدّم المفكر والمؤرخ الكاميروني-الفرنسي أكيلي مبيمبي قراءة لافتة لتحولات القارة، مؤكداً أن «حكم الشيخوخة» أو هيمنة النخب المتقدمة في السن قد انتهى فعلياً، على الأقل في وعي الناس ومخيلتهم السياسية. ويرى مبيمبي أن هذا التحول الذهني هو الأهم، حتى وإن بدت التغييرات المؤسسية أبطأ من أن تواكب سرعة التحول الاجتماعي.
وجاءت تصريحات مبيمبي في مقابلة ضمن برنامج «سبوتلايت» على قناة فرانس 24، حيث رحّب به الصحافي فرانسوا بيكار على هامش أعمال القمة. ووصف مبيمبي القارة بأنها تعيش مرحلة «تحول عميق» على المستويات النفسية والاجتماعية-السياسية والاقتصادية، في إشارة إلى تبدّل المزاج العام، واتساع التطلعات الشعبية، واحتدام النقاشات حول الشرعية والتمثيل والعدالة في دولٍ تعيد تعريف علاقتها بالسلطة والدولة والمجتمع.
ويُعد مبيمبي أحد أبرز الأصوات الإفريقية في نقاشات ما بعد الاستعمار والسيادة، وهو مؤلف كتاب «الجماعة الأرضية» (The Earthly Community). ومن هذا المنطلق، يقدّم تحليلاً يتجاوز الظواهر الانتخابية أو التبدلات الظرفية، ليركّز على ما يسميه «التحول الزلزالي» الجاري: تراجع القبول الشعبي بنمط حكم يقوم على «الهيبة العمرية» والتفوق الرمزي لكبار السن بوصفهم مرجعية أخلاقية وسياسية نهائية، وهو ما عبّر عنه بقوله إن ما انتهى هو «حكم الشيخوخة… وقد انتهى في عقول الناس».
وبحسب مبيمبي، فإن بطء الإصلاح المؤسسي لا يعني غياب التغير، بل يعكس تعقيدات انتقال المجتمعات من تصورات قديمة للسلطة إلى أخرى جديدة. ففي العديد من البلدان الإفريقية، تتقدم الأجيال الشابة في المجال العام، وتزداد حساسيتها تجاه أساليب الحكم التقليدية، وتطالب بمساءلة أعلى، وباقتصادات تتيح فرص العمل والابتكار، وبسياسات أقل خضوعاً للشبكات الزبائنية والتراتبيات الاجتماعية التي لطالما أعادت إنتاج السلطة.
وتحمل أطروحة «انتهاء حكم الشيخوخة» دلالات سياسية وثقافية في آنٍ معاً. فهي لا تتعلق فقط بأعمار من يتولون المناصب، بل ببنية شرعية الحكم نفسها: هل تستند إلى التوافق الاجتماعي والإنجاز والكفاءة، أم إلى رمزية تاريخية وشبكات نفوذ متوارثة؟ وفي حديثه عن أن إفريقيا لن تكون «مُسَيطرًا عليها» بعد اليوم عبر «الحكم الأخلاقي للرجال المسنين»، يلمّح مبيمبي إلى تراجع منطق الوصاية الذي يقيّد النقاش العام ويؤخر تداول السلطة، سواء داخل الأنظمة السياسية أو ضمن البنى الاجتماعية الأوسع.
وفي المآلات المتوقعة، يُرجَّح أن يزداد الضغط الشعبي باتجاه تجديد النخب وتوسيع المشاركة السياسية، حتى إن تأخر التقاط هذا التحول داخل المؤسسات. كما قد تتصاعد المنافسة بين أجيال مختلفة على تعريف «المصلحة العامة» وعلى صياغة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، بما يفتح الباب أمام موجات إصلاح تدريجية أو صدامات سياسية في بعض السياقات. غير أن مبيمبي يراهن، في الجوهر، على أن التغير الحاسم بدأ من الداخل: من تحوّل الوعي الجمعي الذي لم يعد يرى في «السلطة العمرية» ضمانةً للشرعية، بل عائقاً أمام مستقبلٍ يتشكل بقوة الأجيال الجديدة.
📰 المصدر: المصدر