تراجع الزيجات في الصين إلى أدنى مستوى خلال عقد يفاقم المخاوف الديموغرافية
سجلت الصين هبوطاً حاداً في عدد الزيجات المسجلة إلى أدنى مستوى له خلال السنوات العشر الماضية، في مؤشر جديد يعمّق القلق الرسمي والمجتمعي بشأن المسار الديموغرافي للبلاد، ولا سيما مع استمرار تراجع عدد السكان وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالشيخوخة. ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على صعوبة عكس الاتجاهات السكانية السلبية حتى مع تكثيف الدعوات الحكومية لتشجيع الزواج والإنجاب.
ويُنظر إلى تراجع الإقبال على الزواج باعتباره حلقة محورية في سلسلة مؤشرات ديموغرافية متشابكة، إذ ترتبط معدلات الزواج بشكل وثيق بمستويات الخصوبة في الصين، حيث تتركز معظم الولادات داخل إطار الزواج. ومع انخفاض عدد الزيجات، تتزايد التوقعات بأن ينعكس ذلك على معدلات المواليد في السنوات التالية، ما يوسّع الفجوة بين عدد المواليد والوفيات ويزيد من وتيرة الانكماش السكاني.
ويأتي هذا الانخفاض في ظل خلفية من التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة: ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والتعليم، واشتداد المنافسة في سوق العمل، وتبدّل أولويات شريحة متنامية من الشباب الذين باتوا يؤخرون تكوين الأسر أو يعيدون النظر في جدوى الزواج والإنجاب. كما تسهم عوامل ثقافية مرتبطة بتغير أنماط الحياة وتوقعات الطرفين من الزواج، إضافة إلى الضغوط المالية المرتبطة بتأسيس بيت جديد، في تعميق ظاهرة العزوف أو التأجيل.
وعلى مدى الأعوام الماضية، انتقلت بكين من سياسة تقييد الإنجاب التي استمرت عقوداً إلى تبني سياسات أكثر انفتاحاً، وصولاً إلى السماح بإنجاب ثلاثة أطفال، في محاولة لوقف تراجع الخصوبة وتخفيف حدة الشيخوخة. إلا أن الواقع أظهر أن تعديل القواعد وحده لا يكفي، إذ يظل القرار الأسري مرتبطاً بحزمة واسعة من الظروف الاقتصادية والخدمات العامة، مثل توفر حضانات بأسعار معقولة، ودعم الأمهات العاملات، وسياسات الإجازات، وتكاليف الرعاية الصحية والتعليم.
وتحمل هذه البيانات دلالات تتجاوز الأرقام، إذ إن استمرار تراجع الزواج والمواليد يهدد بتسريع تقلص قوة العمل ورفع نسبة الإعالة، ما قد ينعكس على النمو الاقتصادي وقدرة أنظمة التقاعد والرعاية الصحية على مواكبة الطلب المتزايد. كما يشير مراقبون إلى أن المنافسة الديموغرافية في آسيا تتزايد، وأن أي تباطؤ في معالجة الاختلالات السكانية قد يفرض تحديات إضافية على التخطيط الاقتصادي طويل الأجل.
ومن المتوقع أن تدفع هذه التطورات السلطات إلى توسيع برامج التحفيز والدعم للأسرة، وربما طرح إجراءات أكثر جرأة لتخفيف كلفة الزواج والإنجاب، مع تشديد الحملات الاجتماعية التي تروّج لتكوين الأسرة. غير أن فعالية هذه الخطوات ستظل مرهونة بقدرة السياسات على معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للعزوف عن الزواج، وبمدى استجابة الأجيال الشابة لمعادلة جديدة تجعل الاستقرار الأسري خياراً أقل كلفة وأكثر أمناً في المستقبل القريب.
📰 المصدر: المصدر