عروض بينالي البندقية تواجه شبح الحرب ومخاوف المناخ بفنون أدائية صادمة
في مشهد يختلط فيه الجمالي بالسياسي، قدّم فنانون مشاركون في «بينالي البندقية» عروضاً أدائية وتركيبات غامرة لافتة، جعلوا منها مساحةً مفتوحةً لمواجهة هواجس العصر؛ من الحروب التي تتسع رقعتها إلى القلق المناخي المتصاعد، وصولاً إلى أسئلة الرعاية والهشاشة الإنسانية. وقد بدت الأعمال، بما حملته من صور صادمة وتفاصيل حسّية، محاولة لتفكيك الخوف الجماعي وتحويله إلى تجربة فنية مباشرة تضع الزائر في قلب الحدث لا على هامشه.
وتميّزت المشاركات هذا العام بالاعتماد على الأداء الحي بوصفه لغةً قادرة على التقاط ارتجافات الواقع وتحولاته السريعة، إذ استخدم الفنانون الجسد والصوت والحركة كوسائط لتجسيد أثر العنف والاضطراب على الفرد والمجتمع. كما ساهمت التركيبات التفاعلية في تعميق الإحساس بالانغماس، بحيث لم يعد المتلقي متفرجاً فحسب، بل جزءاً من فضاء العمل وموضوعه، يختبر لحظات التوتر والاختناق والرجاء كما أرادها صانعوها.
وفي ثيمة الحرب، عكست الأعمال الفنية الشعور المتزايد باللايقين، وما يخلّفه الصراع من ندوب نفسية واجتماعية طويلة الأمد. فقدّم الفنانون مقاربات تُظهر كيف يتسلل العنف إلى الحياة اليومية، وكيف تصبح الذاكرة الفردية والجماعية ساحةً موازية للمعارك. ومن خلال استعارات بصرية وأداءات تُحاكي الانكسار والتشظّي، بدت الرسالة واضحة: الحرب ليست خبراً عابراً، بل تجربة تعيد تشكيل معنى الأمان والانتماء والقدرة على الاستمرار.
أما الرعاية (Caregiving)، فبرزت بوصفها محوراً مقابلاً للعنف، ومفهوماً يربط بين الخاص والعام، وبين المأساة الفردية والبُنى الاجتماعية. وتناولت بعض الأعمال فكرة من يتحمل عبء العناية في أوقات الأزمات، وكيف تتداخل المسؤوليات الإنسانية مع أنظمة الصحة والعمل والهجرة والفقر. كما طُرحت الهشاشة الإنسانية لا باعتبارها ضعفاً، بل كحقيقة مشتركة تفرض إعادة التفكير في التضامن، وفي الطرق التي يمكن للفن أن يمنح عبرها لغةً للآلام غير المرئية.
وفي ظل تصاعد المخاوف المناخية، حضرت الطبيعة بوصفها شاهداً ومتهماً في آن واحد، حيث استحضرت الأعمال أثر تغير المناخ على الإحساس بالزمن والمكان، وعلى علاقة الإنسان ببيئته. وبينما اعتمدت بعض التركيبات على فضاءات موحية بالخراب أو التحوّل، ركّزت أخرى على فكرة أن الكارثة البيئية ليست مجرد تهديد مستقبلي، بل واقعٌ يتشكّل تدريجياً ويطال أنماط العيش والإنتاج والاستهلاك، ما يجعل الفن منصةً لإثارة الأسئلة الأخلاقية والسياسية حول المسؤولية والنجاة.
وتشير هذه المقاربات مجتمعة إلى أن «بينالي البندقية» يواصل ترسيخ موقعه كمرآة للزلازل الكبرى التي يعبرها العالم، وكمنتدى تتقاطع فيه الجماليات مع الإلحاح السياسي والإنساني. ومع تزايد التوترات الدولية وتفاقم آثار المناخ، يُتوقع أن تستمر العروض الأدائية والأعمال الغامرة في دفع الزوار إلى مواجهة أسئلتهم الأكثر إلحاحاً: كيف نعيش وسط الاضطراب؟ ومن يرعى من؟ وما حدود قدرة الفن على تحويل الخوف إلى وعي، والوعي إلى فعل؟
📰 المصدر: المصدر
