رحيل الفنانة النسوية النمساوية فالِي إكسبورت عن 85 عاماً بعد مسيرة قلبت «نظرة الرجل» في الفن
توفيت الفنانة النمساوية الرائدة في فن الأداء وصناعة الأفلام فالِي إكسبورت (Valie Export) عن 85 عاماً، بعد مسيرة تركت أثراً بالغاً في الفنون المعاصرة والنسوية تحديداً، إذ اشتهرت بأعمال قلبت «النظرة الذكورية» وواجهت بجرأة موضوع تشييء جسد المرأة، من خلال عروض وأفلام أثارت الصدمة والجدل في ستينيات القرن الماضي قبل أن تُقرأ لاحقاً بوصفها لحظة مفصلية في تاريخ الفن النقدي.
وأعلنت المؤسسة الخاصة بالفنانة، مساء الخميس، أن إكسبورت توفيت في فيينا في اليوم ذاته، قبل ثلاثة أيام فقط من عيد ميلادها السادس والثمانين. وقد شكّل خبر رحيلها مناسبة لاستعادة إرث فني اتسم بالاستفزاز المقصود وكسر المحظورات، وبمقاربات تجمع بين القسوة الفكرية وخفة السخرية أحياناً، في محاولة لتفكيك الصور النمطية التي حكمت تمثيل المرأة في الفن والإعلام.
برزت إكسبورت في ستينيات القرن العشرين ضمن موجة الفن الطليعي في أوروبا، حيث اتخذت من الجسد مساحة للخطاب السياسي والثقافي، وقدّمت أعمالاً أدائية صادمة للمجتمع النمساوي المحافظ آنذاك. وبينما قوبلت عروضها في بداياتها بالاستنكار والتجريم الاجتماعي، فإن الزمن أعاد تموضعها داخل المشهد الفني بوصفها من أوائل من نقلوا النقاش النسوي من مستوى التنظير إلى حيز الممارسة الفنية المباشرة.
وتُقرأ أعمال إكسبورت اليوم باعتبارها محاولات واعية لتعطيل آليات «التلصص» والتشييء في التلقي البصري، إذ سعت إلى إعادة صياغة علاقة المتفرج بالصورة عبر قلب موازين السلطة: من جسد يُستهلك نظرياً إلى جسد يفرض شروطه ويكشف العنف الرمزي الكامن في طرق النظر والتمثيل. وقد جمع أسلوبها بين الجرأة الأدائية والتجريب السينمائي، ما منحها حضوراً مؤثراً عند تقاطع الفن المفاهيمي والحركة النسوية ونقد الثقافة الشعبية.
كما تكشف تجربة إكسبورت عن سياق أوسع شهدته أوروبا بعد الحرب، حيث راحت الأجيال الجديدة تتمرد على المؤسسات الثقافية التقليدية وعلى سلطة الأعراف، ومعها برزت أسئلة الجسد والحرية والهوية بوصفها ساحات صراع اجتماعي. ضمن هذا المناخ، قدّمت الفنانة أعمالاً لم تكتفِ بإثارة الجدل، بل فتحت مساحة لنقاش عام حول الحدود بين الفن والأخلاق، وحول من يمتلك حق تعريف الجسد: المجتمع أم الفرد.
وبرحيل فالِي إكسبورت، تُطوى صفحة من صفحات الرواد الذين أسهموا في إعادة تعريف فن الأداء والسينما التجريبية بوصفهما أدوات نقد اجتماعي. ومن المتوقع أن يتجدد الاهتمام بأعمالها ومعارضها وأرشيفها، لا سيما في ظل استمرار النقاش العالمي حول تمثيل المرأة في الفنون والصناعة البصرية، حيث يبدو إرثها مرشحاً لمزيد من القراءة والتأويل بوصفه شهادة فنية مبكرة على مقاومة التشييء وتفكيك السلطة الكامنة في «النظرة».
📰 المصدر: المصدر
