ترامب يُعيد تعريف حدود «الفضيحة».. سلوكيات كانت كفيلة بإشعال ولايته الأولى باتت تمرّ اليوم بلا ضجيج
تشير قراءة تحليلية لشبكة «سي إن إن» إلى أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بات يُطبع تدريجياً ممارسات وتصريحات كان من شأنها، خلال ولايته الأولى، أن تتسبب بعواصف سياسية وإعلامية واسعة. ووفق التقرير، فإن تكرار هذه السلوكيات وتبدّل المناخ السياسي العام جعلا كثيراً مما كان يُعدّ «فضائح» في السابق يبدو اليوم مألوفاً، أو أقل قدرة على إثارة الصدمة أو دفع مؤسسات الدولة وخصومه إلى ردود فعل حادة.
ويضع التقرير هذه الظاهرة في إطار أوسع يتصل بفكرة «تآكل الحساسية العامة» تجاه المعايير التي كانت تضبط الخطاب السياسي الرئاسي في الولايات المتحدة. فالتعامل المتكرر مع الأحداث ذات الطابع الاستثنائي، سواء عبر التصريحات الحادة أو السجالات مع المؤسسات أو الخروج عن الأعراف المتعارف عليها، أدى—بحسب ما تطرحه الشبكة—إلى تحويل الاستثناء إلى نمط شبه ثابت في المشهد السياسي، ما يخفف تدريجياً من وقع كل محطة جديدة.
ويستعيد التقرير أجواء الولاية الأولى لترامب، حين كانت تفاصيل عديدة تتصدر العناوين أياماً وربما أسابيع، وتفتح نقاشات صاخبة حول النزاهة وحدود السلطة واحترام التقاليد السياسية. أما اليوم، فتبدو تلك الدينامية أقل حضوراً، إذ باتت الأخبار المتلاحقة، والاستقطاب الحزبي الحاد، وتعدد الملفات الداخلية والخارجية، عوامل تُزاحم أي حدث جديد وتسرّع من دورة الاهتمام الإعلامي والجماهيري به.
وفي سياق تفسير هذا التحول، يلفت التقرير إلى أن حالة الاستقطاب الراسخة تجعل الجمهور الأميركي منقسماً على نحو يصعّب تشكيل «إجماع أخلاقي» حول ما يُعد تجاوزاً غير مقبول. فأنصار ترامب يميلون إلى اعتبار الانتقادات الموجهة إليه جزءاً من معركة سياسية دائمة، بينما يرى خصومه أن كثافة الوقائع وتشابكها تقلل من القدرة على تعبئة ضغط متواصل حول كل قضية على حدة، في ظل شعور عام بأن الجدل لا ينتهي وأن الردود لم تعد تغير الكثير.
كما يسلط التقرير الضوء على أثر «الإرهاق السياسي» الذي أصاب قطاعات من الرأي العام بعد سنوات من الجدل المتواصل، ما يجعل بعض الناخبين أقل تفاعلاً مع ما كان سابقاً يُنظر إليه كاختبار لهيبة المنصب أو لسلامة الحياة العامة. ويعزز هذا الاتجاه—وفق الطرح—واقع أن ترامب، عبر تكرار الأسلوب نفسه، يراكم حالة من الاعتياد تُعيد رسم الحدود بين المقبول والمرفوض في الخطاب السياسي، حتى وإن بقيت الانتقادات قائمة.
وتخلص «سي إن إن» إلى أن تداعيات هذا المسار قد تتجاوز شخص ترامب لتطال المشهد السياسي الأميركي برمته، إذ إن تطبيع السلوكيات المثيرة للجدل يضعف تدريجياً قدرة المؤسسات والإعلام والجمهور على فرض معايير ثابتة للمحاسبة. وفي المرحلة المقبلة، يتوقع التقرير أن يستمر هذا الاختبار للحدود مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الرهانات، ما قد يدفع المنافسين إلى تشديد خطابهم، ويضع الناخبين أمام سؤال أوسع: هل تغيّرت قواعد اللعبة السياسية فعلاً أم أن المجتمع الأميركي يمر فقط بمرحلة اعتياد مؤقتة على الاستثناء؟
📰 المصدر: المصدر