باشينيان يقرّ بأن قره باغ «لم تكن لنا» ويصف السعي لضمّها بـ«الخطأ القاتل» مع تقدّم مسار السلام بين أرمينيا وأذربيجان
في تصريح لافت يحمل دلالات سياسية ثقيلة، أعلن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن إقليم قره باغ «لم يكن أراضٍ أرمينية»، وذهب أبعد من ذلك بوصف الحركة الأرمينية التي سعت للسيطرة عليه بأنها «خطأ قاتل». ويأتي هذا الإقرار في توقيت بالغ الحساسية، بينما تعمل يريفان على ترسيخ مسار السلام مع باكو وتأكيد توجهها الحاسم نحو أوروبا في إطار نهج سياسي جديد يرمي إلى طيّ صفحة النزاع المزمن.
وبحسب فحوى التصريحات، فإن باشينيان يحاول إعادة صياغة السردية الرسمية حيال قره باغ، بما يتجاوز الخطابات القومية التقليدية التي هيمنت على السياسة الأرمينية لعقود. ويُفهم من هذا الموقف أنه محاولة لإعادة تعريف المصالح الوطنية وفق حسابات الدولة وحدودها المعترف بها دولياً، في مقابل خطاب «الحقوق التاريخية» الذي غذّى الصراع وأفضى إلى حروب متكررة وتوترات دائمة في جنوب القوقاز.
ويمثل ملف قره باغ أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، إذ تحوّل منذ نهاية الحقبة السوفيتية إلى مركز اشتباك سياسي وعسكري بين أرمينيا وأذربيجان، مع ما رافق ذلك من موجات نزوح وتبدلات ديموغرافية وتدويل للأزمة. ومن هذا المنطلق، يحمل توصيف باشينيان للحركة الأرمينية تجاه الإقليم كـ«خطأ قاتل» رسالة ضمنية بأن استمرار التمسك بالمطالب السابقة لم يعد قابلاً للاستدامة، وأن كلفة الصراع فاقت مكاسبه وأضعفت موقع أرمينيا أمنياً واقتصادياً.
وفي السياق ذاته، يندرج هذا التحول في إطار سعي يريفان إلى تثبيت تسوية سياسية مع أذربيجان، في مسار يتقدم—وفق ما تشير إليه التطورات—نحو ترتيبات مستقبلية تركز على فتح قنوات التواصل وتخفيف التوتر وتعزيز الاستقرار. كما يُقرأ التصريح بوصفه محاولة لتوفير غطاء سياسي داخلي لأي تنازلات أو تفاهمات قادمة، عبر تقديم مراجعة صريحة لمسار سابق تُحمَّل مسؤوليته باعتباره سبباً في تعثر الدولة وتعرضها لانتكاسات استراتيجية.
كما يرتبط هذا الخطاب بوجهة أرمينيا المتزايدة نحو الاتحاد الأوروبي، وهي «الوجهة المؤيدة لأوروبا» التي يصفها الخبر بأنها مسار حاسم تتبناه الحكومة الحالية. ومن شأن هذه المقاربة أن تعكس رغبة في تنويع الشراكات الدولية وتقليل الاعتماد على ترتيبات إقليمية سابقة، مع السعي إلى تثبيت نموذج سياسي واقتصادي أقرب إلى الأطر الأوروبية، وهو ما يضع أرمينيا أمام تحديات داخلية تتعلق بإدارة الانقسام السياسي والذاكرة الجمعية المرتبطة بالنزاع.
ومع أن الإقرار الصريح قد يفتح نافذة لتقدم المفاوضات وتخفيف الاحتقان على المدى القريب، فإنه قد يثير أيضاً ردود فعل داخلية حادة من قوى سياسية ومجتمعية ترى في قره باغ جزءاً من الهوية والقضية الوطنية. وفي المرحلة المقبلة، يُتوقع أن يتركز الاختبار الحقيقي على قدرة حكومة باشينيان على ترجمة هذا التحول إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ مع أذربيجان، وعلى استيعاب الارتدادات الداخلية، بالتوازي مع تعميق المسار الأوروبي وما يستلزمه من إصلاحات وخيارات استراتيجية قد تعيد رسم موقع أرمينيا في جنوب القوقاز.
📰 المصدر: المصدر
