حساسية الغلوتين: متى لا تكون الداء البطني (السيلياك)؟
تثير أعراض اضطرابات الهضم المرتبطة بتناول القمح والخبز كثيراً من الالتباس لدى المرضى، إذ يخلط البعض بين الداء البطني (السيلياك) وبين ما يُعرف بحساسية الغلوتين غير المرتبطة بالسيلياك. ويعيد تقرير لصحيفة «جيروزالم بوست» تسليط الضوء على هذه الحالة التي تشبه السيلياك في مظاهرها، لكنها تختلف عنه جذرياً في التشخيص والآليات والمضاعفات المحتملة.
وتكمن أهمية التمييز بين الحالتين في أن السيلياك يُعدّ مرضاً مناعياً ذاتياً يهاجم فيه الجهاز المناعي بطانة الأمعاء الدقيقة عند التعرض للغلوتين، ما قد يفضي إلى سوء امتصاص ونقص في العناصر الغذائية ومضاعفات طويلة الأمد إذا لم يُعالج. أما حساسية الغلوتين غير السيلياك فتُوصف عادةً بأنها حالة تظهر فيها أعراض بعد تناول الغلوتين دون وجود الدلالات المناعية أو التلف المعوي المميز للسيلياك، وهو ما يجعل تشخيصها أكثر تعقيداً ويستلزم استبعاد أسباب أخرى.
ويوضح التقرير أن الأعراض قد تتشابه بين الحالتين، مثل الانتفاخ، وآلام البطن، واضطراب الإخراج، إضافة إلى أعراض خارج الجهاز الهضمي كالإرهاق والصداع وصعوبات التركيز. غير أن اختلاف المسار المرضي ينعكس على طريقة التعامل الطبي؛ فبينما يتطلب السيلياك التزاماً صارماً وخالياً تماماً من الغلوتين مدى الحياة لتفادي تلف الأمعاء، قد تتباين شدة حساسية الغلوتين من شخص لآخر، وقد لا تستلزم دائماً القيود نفسها، مع ضرورة توجيه النظام الغذائي بإشراف مختصين لتجنب الحرمان الغذائي غير المبرر.
ويتوقف التشخيص الدقيق، وفقاً لما تشير إليه المعايير الطبية المتداولة، على خطوات متسلسلة تبدأ باستبعاد السيلياك عبر الفحوصات المخبرية والاختبارات المناسبة، إذ إن البدء بحمية خالية من الغلوتين قبل إجراء الاختبارات قد يربك النتائج ويؤخر الوصول إلى تشخيص صحيح. وبعد ذلك، تُبحث احتمالات أخرى قد تفسر الأعراض، مثل متلازمة القولون العصبي أو عدم تحمل أنواع معينة من الكربوهيدرات، فضلاً عن أن بعض الأشخاص قد يتأثرون بمكوّنات في القمح غير الغلوتين، ما يزيد من التداخل في الصورة السريرية.
وفي هذا السياق، يبرز جانب التوعية الصحية بوصفه عاملاً حاسماً: فانتشار الحميات الخالية من الغلوتين باعتبارها خياراً «صحياً» بشكل مطلق قد يدفع البعض إلى اتباعها دون حاجة طبية، ما قد يؤدي إلى نقص الألياف وبعض الفيتامينات والمعادن، أو إلى الاعتماد على بدائل مصنّعة عالية السكر والدهون. كما أن التشخيص الذاتي قد يحجب حالات تستوجب علاجاً مختلفاً، لذا يوصي الأطباء عادةً بضرورة تقييم الأعراض على نحو منهجي وربطها بتاريخ مرضي وفحوصات دقيقة قبل اتخاذ قرار غذائي طويل الأمد.
ومن المتوقع أن يستمر الجدل العلمي حول حساسية الغلوتين غير السيلياك، لا سيما مع تزايد الاهتمام بدور الغذاء في الالتهاب واضطرابات الجهاز الهضمي، ومع سعي الباحثين إلى تطوير مؤشرات تشخيصية أكثر وضوحاً لهذه الحالة. وفي الوقت الراهن، تبدو الرسالة الأهم هي أن الأعراض المتكررة بعد تناول الغلوتين تستحق تقييماً طبياً متخصصاً، لأن الفارق بين السيلياك وحساسية الغلوتين ليس مجرد تسمية، بل يحدد خطة العلاج، وحدود القيود الغذائية، وما يمكن توقعه على المدى البعيد.
📰 المصدر: المصدر