يونيو 13, 2026
يونيو 13, 2026

مبيمبي: نهاية حكم «الشيخوكراتية» في إفريقيا.. والقارة لن تُدار بعد اليوم بسلطة «القيم» التي يفرضها الشيوخ

على هامش قمة «إفريقيا إلى الأمام» التي استضافتها جامعة ستراثمور، قدّم المؤرخ والكاتب والمفكر السياسي الكاميروني المولد جوزيف-أشيل مبيمبي قراءة معمّقة لتحولات القارة الإفريقية، مؤكداً أن «حكم الشيخوكراتية» – أي هيمنة كبار السن على القرار السياسي والرمزي – قد انتهى فعلياً. وبحسب مبيمبي، فإن التغيير المؤسسي قد يكون بطيئاً وغير متكافئ بين دولة وأخرى، لكن القطيعة الأهم وقعت في وعي الناس: فقد تراجع قبولهم بسلطة “الحكم الأخلاقي” الذي يحتكره الشيوخ، وهذه – كما يقول – هي النقطة الفاصلة.

وخلال حديثه مع الصحافي فرنسوا بيكار، أشار مبيمبي، مؤلف كتاب «المجتمع الأرضي» وأحد أبرز الأصوات الإفريقية في نقاشات السيادة ما بعد الاستعمار، إلى أن القارة تمر بتحول نفسي واجتماعي-سياسي واقتصادي عميق لا يمكن اختزاله في سرديات الانهيار أو التفاؤل الساذج. فإفريقيا اليوم، وفق توصيفه، تتحرك «في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه»: أزمات متشابكة قد تبدو «فوضوية وقريبة من الكارثية»، تتجاور مع محاولات جادة لإعادة ابتكار الديمقراطية من القاعدة إلى القمة، عبر مبادرات محلية وتنظيمات مجتمعية وأشكال جديدة من الفعل العام.

ويضع مبيمبي هذا التحول ضمن سياق تاريخي أوسع يطبع علاقة المجتمعات الإفريقية بمفهوم السيادة بعد الاستعمار: فسنوات طويلة من مركزية الدولة، وتصلب النخب، واحتكار القرار، ساهمت في إنتاج أنماط حكم تقوم على التراتبية العمرية والشرعية الرمزية المرتبطة بـ«الأبوة السياسية». غير أن موجات الاحتجاجات، والتحولات الديموغرافية، وتوسع التعليم والفضاء الرقمي، أعادت تشكيل ميزان التأثير، وأضعفت قدرة الأنظمة التقليدية على الاحتفاظ بشرعية مفترضة باسم الخبرة أو “القيم” أو الماضي.

وفي قلب هذا المشهد، يلفت مبيمبي إلى صعود أدوار فاعلين جدد يقودون صراعات متنامية حول معنى السيادة وحدود السلطة: الشباب والنساء، والمثقفون، ومنظمات المجتمع المدني، وشبكات المبادرات المدنية. ويرى أن هذه القوى لا تكتفي بالمطالبة بتغييرات شكلية، بل تسعى إلى إعادة تعريف العقد الاجتماعي، وتوسيع المشاركة، وإرساء معايير مساءلة أكثر صرامة، حتى وإن ظل المسار متعثراً ومفتوحاً على احتمالات التراجع.

ويحذّر المفكر الكاميروني في الوقت ذاته من أن “السيادة الجديدة” قد تتحول إلى مجرد نسخة حديثة من صراع الموارد إذا لم تُبنَ على قواعد حكم أكثر انفتاحاً واستدامة. فالقارة، كما يقول، تقف أمام مفترق طرق: إما إعادة إنتاج المنافسة القديمة على الثروات والنفوذ تحت شعارات جديدة، وإما تحويل الديناميات الاجتماعية الصاعدة إلى مؤسسات أكثر شفافية وقدرة على تمثيل المجتمع وتلبية مطالبه، بما يعزز الاستقرار ويحد من دورات العنف والانقسام.

ويخلص مبيمبي إلى أن رهان المستقبل الإفريقي لا ينبغي أن يُصاغ عبر “سرديات العجز” التي تركّز على ما تفتقده القارة، بل عبر ثقة حضارية تؤسس للبناء على ما تملكه بالفعل من موارد بشرية، وطاقات شبابية، وتنوع ثقافي، وقدرات على الابتكار الاجتماعي. وبينما يتوقع مراقبون استمرار تجاذبٍ بين أنماط الحكم القديمة والقوى الاجتماعية الصاعدة، فإن كلمات مبيمبي توحي بأن التحول الحاسم بدأ من الداخل: من تغيّر وعي الناس وتراجع قابلية المجتمع للخضوع لمنطق السلطة الأبوية، وهو ما قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في السياسة الإفريقية خلال السنوات المقبلة.

📰 المصدر: المصدر