من «داود» إلى «جالوت»: قراءة في كيفية تغطية الإعلام لإسرائيل
يسلّط تقرير نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» الضوء على تحوّل لافت في صورة إسرائيل داخل التغطيات الإعلامية، منتقلاً من سردية «داود» الذي يواجه خصماً أكبر منه إلى سردية «جالوت» بوصفها القوة الأكثر نفوذاً وتأثيراً. ويأتي هذا التحليل في سياق نقاش متجدد حول كيفية صياغة الأخبار، وما إذا كانت بعض المنابر تميل إلى تبسيط الصراع عبر استعارات أخلاقية تُعيد توزيع أدوار الضحية والجلاد تبعاً لزاوية التناول.
ويحاول التقرير تفكيك أنماط التغطية التي تُنتج هذه الصورة المتبدّلة، من خلال رصد اللغة المستخدمة في العناوين، وطريقة اختيار الصور والمقاطع المصوّرة، وأولوية ترتيب الأحداث على شاشات الأخبار ومنصات النشر الرقمية. كما يتوقف عند أثر الاقتباسات المنتقاة من تصريحات المسؤولين والناطقين، وكيف يمكن للاقتطاع أو إعادة السياق أن يوجّه انطباعات الجمهور نحو قراءة محددة للأحداث.
وفي خلفية هذا النقاش، يبرز العامل التاريخي للصراع العربي–الإسرائيلي بوصفه أرضية تتنازعها روايات متنافسة؛ إذ ترتبط صورة «داود» تقليدياً بمفهوم الدولة المحاطة بتهديدات أمنية، فيما تتعزز صورة «جالوت» عندما تُقرأ الوقائع من زاوية عدم تكافؤ القوة العسكرية أو حجم السيطرة السياسية على الأرض. ويرى التقرير أن انتقال السردية لا يحدث بالضرورة نتيجة تبدّل الوقائع وحدها، بل أيضاً بفعل تغير المزاج العام العالمي، وحساسية الرأي العام تجاه صور الدمار والخسائر المدنية، واتساع دور المنصات الاجتماعية في إنتاج «لقطات» قادرة على إعادة تشكيل الرأي العام بسرعة.
ويتناول التحليل كذلك تأثير البيئة الإعلامية الحديثة، حيث تتنافس المؤسسات التقليدية مع المحتوى الفوري الذي يصنعه مستخدمون ومؤثرون وناشطون. ففي ظل اقتصاد الانتباه، تميل بعض التغطيات—بحسب التقرير—إلى تضخيم العناوين المثيرة أو التركيز على مشاهد محددة دون تقديم سياق كافٍ حول تسلسل الأحداث أو خلفياتها. كما يلفت إلى أن التغطية العابرة للحدود كثيراً ما تخضع لاعتبارات تحريرية وثقافية وسياسية داخل الدول التي تُنتج المحتوى، وهو ما ينعكس على المصطلحات المستخدمة لوصف الأطراف والأفعال.
ويُبرز التقرير أهمية التوازن المهني في معالجة ملفات شديدة الاستقطاب، محذراً من أن استعارة «داود وجالوت»—على قوتها الرمزية—قد تتحول إلى إطار اختزالي يُضعف فهم التعقيدات، ويحوّل النقاش العام إلى محاكمة سرديات لا إلى تدقيق وقائع. كما يشير إلى أن تشكيل الرأي العام لا يتوقف عند نقل الحدث، بل يتأثر بكيفية تصميم القصة الخبرية، وما يُذكر وما يُحذف، ومن يُمنح مساحة الحديث، وما إذا كانت الأرقام والوقائع تُقدَّم ضمن مقارنة عادلة ومتسقة.
وفي المحصلة، يتوقع التقرير أن يستمر الجدل حول تغطية إسرائيل في ظل تصاعد الاستقطاب العالمي، وتزايد الضغط على المؤسسات الإعلامية لإثبات مصداقيتها أمام جمهور منقسم. ومع استمرار الأحداث وتبدّل موازين التعاطف تبعاً لتطورات الميدان، تبدو المؤسسات الصحفية أمام اختبار مضاعف: تقديم رواية دقيقة لا تنزلق إلى الدعاية، وتوفير سياق يشرح جذور الصراع دون أن يبرّر العنف أو يُقزّم معاناة المدنيين. وسيظل مستقبل هذا النقاش مرتبطاً بقدرة الإعلام على التمسك بالمعايير التحريرية الصارمة وسط طوفان المعلومات والتأويلات المتضاربة.
📰 المصدر: المصدر