بعد نصف قرن على تصويره.. وثائقي عن نهضة هارلم يرى النور عالمياً لأول مرة في كان
بعد مرور نحو خمسين عاماً على بدء تصويره، يشهد فيلم وثائقي نادر عن «نهضة هارلم» الأميركية عرضه العالمي الأول، بعدما تولّت عائلة المخرج والموثّق السينمائي الرائد ويليام غريفز استكماله عقب رحيله. ويحمل العمل عنوان Once Upon a Time in Harlem، وقد حظي بتسليط الأضواء عليه ضمن فعاليات مهرجان كان، في خطوة تعيد إحياء مادة أرشيفية طال انتظارها، وتمنحها مساحة دولية للتعريف بإحدى أبرز المحطات الثقافية في تاريخ الأميركيين الأفارقة.
تعود جذور المشروع إلى نهاية ستينيات القرن الماضي، حين عبّر غريفز عام 1969 عن غضبه من الصور النمطية العنصرية التي رسّخها منتجو الأفلام البيض على الشاشات الأميركية، معتبراً أن استمرار هيمنة هذا المنظور سيؤدي حتماً إلى «تشويه صورة السود». وقال في كتابة له آنذاك إن الحل يكمن في أن يبدأ السود بإنتاج المعرفة والمحتوى الموجّه للسينما والتلفزيون، حتى لا تبقى صورة المجتمع الأفريقي الأميركي أسيرة سرديات الآخرين.
وبعد ثلاث سنوات من تلك المواقف العلنية، شرع غريفز في تصوير ما وصفه لاحقاً بأنه أهم مادة وثائقية التقطتها كاميرته: فيلم طويل يجمع من تبقى من رموز نهضة هارلم، بهدف استعادة التجربة من أفواه صانعيها. وكانت فكرته الأساسية تتمحور حول إتاحة مساحة حوار وتأمل لمن شاركوا في بناء ذلك الحراك الثقافي والفني قبل نحو نصف قرن، ليقدّموا شهاداتهم مباشرة أمام العدسة، بعيداً عن التبسيط أو التزييف.
وتُعد «نهضة هارلم» حركة ثقافية وفكرية ازدهرت في حي هارلم بنيويورك خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأسهمت في إعادة تعريف حضور الأميركيين الأفارقة في الأدب والموسيقى والمسرح والفنون البصرية، كما شكّلت محطة مفصلية في صعود الوعي السياسي والاجتماعي المرتبط بالهوية والحقوق. ومن هذا المنطلق، اكتسبت لقطات غريفز قيمة استثنائية، لأنها توثّق شهادات جيلٍ عاش التحولات وشارك في صنعها، في وقت باتت فيه المصادر الحية لهذه المرحلة نادرة إلى حد كبير.
غير أن المشروع ظل غير مكتمل لفترة طويلة، قبل أن تتدخل عائلة غريفز وأقاربه لاستكماله بعد وفاته، في محاولة للحفاظ على إرثه وإخراج الفيلم من دائرة الوعود المؤجلة إلى فضاء العرض العام. وبوصوله إلى كان، لا يُنظر إلى العمل باعتباره حدثاً سينمائياً فحسب، بل بوصفه أيضاً استعادة متأخرة لمهمة كان غريفز يعدّها جزءاً من معركة أوسع: تصحيح التمثيل البصري للسود، وتمكينهم من سرد تاريخهم بأنفسهم.
ومن المتوقع أن يفتح العرض العالمي الأول باباً لنقاشات جديدة حول قيمة الأرشيف السينمائي غير المكتمل، ودور العائلات والمؤسسات الثقافية في إنقاذ مشاريع الذاكرة من الضياع، فضلاً عن إعادة تسليط الضوء على نهضة هارلم كمرجع لفهم علاقة الفن بالهوية والعدالة. كما يرجّح أن يدفع الاهتمام الدولي بالفيلم إلى توسيع فرص توزيعه وعرضه في مهرجانات ومنصات أخرى، بما يضمن وصول شهاداته إلى جمهور أوسع بعد عقود من بقائها حبيسة الزمن.
📰 المصدر: المصدر
