تضخّم الدين الأميركي قد يعرقل خطة وورش لتقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي
تُثير الزيادة القياسية في أعباء الدين العام الأميركي تساؤلات متزايدة حول مدى واقعية خطط تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، إذ قد تُفضي احتياجات التمويل الضخمة لوزارة الخزانة إلى تقويض أي مسار سريع لتقليص حيازات البنك المركزي من السندات. وفي هذا السياق، تبرز مقاربة كيفن وورش، المسؤول السابق في الاحتياطي الفيدرالي، الداعية إلى تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي كأحد المقترحات التي قد تصطدم بواقع سوق السندات الأميركي المثقل بإصدارات الدين.
وتقوم فكرة تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، التي تضخّمت خلال سنوات التيسير الكمي ولا سيما بعد جائحة كورونا، على خفض حيازاته من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة برهون عقارية، عبر السماح باستحقاق جزء من هذه الأصول دون إعادة استثمارها أو حتى بيعها تدريجياً. ويهدف هذا النهج إلى سحب السيولة الزائدة من النظام المالي وإعادة الميزانية العمومية إلى مستويات أقرب إلى ما كانت عليه قبل موجات التحفيز الاستثنائية، بما يعزز—وفق أنصاره—فاعلية السياسة النقدية ويحد من تشوّهات الأسواق.
غير أن التحدي الأكبر يتمثل في أن الخزانة الأميركية تحتاج بصورة مستمرة إلى إصدار كميات كبيرة من السندات لتمويل العجز وإعادة تمويل استحقاقات الديون السابقة، وهو ما يعني أن السوق مطالب باستيعاب معروض متزايد من أدوات الدين. وفي حال تزامن ذلك مع تسارع وتيرة انكماش ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، فإن عبء الاستيعاب ينتقل بدرجة أكبر إلى المستثمرين من القطاع الخاص، ما قد يضغط على الأسعار ويرفع العوائد، ويزيد بالتالي كلفة الاقتراض على الحكومة والاقتصاد ككل.
وتزداد حساسية هذا الملف في ظل بيئة أسعار فائدة مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات ما بعد الأزمة المالية العالمية، إذ إن أي ارتفاع إضافي في عوائد السندات قد ينعكس على تكاليف خدمة الدين الفيدرالي، ويؤثر كذلك في تمويل الشركات والأسر من خلال تشديد الأوضاع المالية. كما أن اتساع المعروض من السندات طويلة الأجل—إن حدث—قد يدفع المستثمرين للمطالبة بعلاوة مخاطر أعلى لتعويضهم عن مخاطر التضخم وتقلبات السياسة النقدية والمالية، وهو ما يخلق حلقة متبادلة بين مسار الدين العام ومسار أسعار الفائدة.
وفي خلفية المشهد، يدور جدل أوسع في واشنطن والأسواق حول حدود التنسيق غير المباشر بين السياسة النقدية والمالية: فبينما يُفترض أن يعمل الاحتياطي الفيدرالي بصورة مستقلة لتحقيق استقرار الأسعار والتوظيف، فإن الواقع العملي يُظهر أن قراراته المتعلقة بحيازات السندات وتوقيت تقليص الميزانية العمومية لا تنفصل تماماً عن ديناميكيات تمويل الحكومة. ومن هنا، يرى بعض المراقبين أن أي خطة طموحة لتقليص الميزانية العمومية ينبغي أن تراعي قدرة السوق على استيعاب الإصدارات، وألا تُفاقم الضغوط على منحنى العائد أو تقوض الاستقرار المالي.
ومن المتوقع أن يبقى هذا النقاش محتدماً خلال الفترة المقبلة، مع ترقب الأسواق لمسار العجز والاقتراض، ووتيرة انكماش الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، وأي إشارات سياسية أو اقتصادية قد تغير توقعات المستثمرين. وإذا استمرت أحجام الدين والإصدارات عند مستويات مرتفعة، فقد تتجه السياسات إلى مقاربات أكثر تدرجاً وحذراً في تقليص الميزانية العمومية، لتجنب قفزات حادة في العوائد، بما يجعل نجاح أي خطة—كتلك التي يُنسب طرحها إلى وورش—مرهوناً بتوازن دقيق بين مكافحة التضخم واستدامة تمويل الدين واستقرار الأسواق.
📰 المصدر: المصدر