سَكْس: أولوية واشنطن وبكين اقتصادية وترامب يدفع نحو تعظيم التجارة والاستثمار
في وقت تتداخل فيه ملفات تايوان وأشباه الموصلات ودبلوماسية التجارة وأمن الطاقة في الشرق الأوسط ضمن لوحة واحدة من التنافس الجيوسياسي، يخلص الخبير ديفيد ساكس، الزميل في برنامج دراسات آسيا بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تُدار في جوهرها باعتبارها «علاقة اقتصادية» قبل أي شيء آخر، مع تركيز متزايد—خصوصاً في مقاربة دونالد ترامب—على التجارة والاستثمار بوصفهما عنوانَي الأولوية.
وجاءت هذه الرؤية خلال مقابلة أجرتها ناديا مسيح، حيث رسم ساكس ملامح علاقة لا تقوم على مواجهة دراماتيكية مفتوحة بقدر ما تتشكل عبر «صمت انتقائي» وتحديد معاملات المصالح وتغليب البراغماتية، إلى جانب «غموض مُدار بعناية» يتيح للطرفين تفادي الانزلاق إلى صدام شامل، مع إبقاء أدوات الضغط والتنافس قائمة عند حدود يمكن التحكم بها.
وفيما تُعد تايوان محوراً دائماً في الخطاب السياسي والإعلامي، يشير ساكس إلى أن الجزيرة «لا تحتل فعلياً موقعاً على جدول أعمال» واشنطن كما قد يُتصوَّر، في دلالة على أن حسابات الإدارة الأميركية—بحسب قراءته—تميل إلى ترتيب الملفات وفق أولويات العائد الاقتصادي وتكلفة المخاطر، لا وفق عناوين الصراع الرمزية وحدها. ويعكس ذلك، في نظره، توجهاً لتفادي خطوات تُعجّل مواجهة مباشرة، بالتوازي مع استمرار دعم مبدئي يُحافظ على خطوط الردع دون الانتقال إلى قرارات كبرى تُربك التوازنات.
في المقابل، يضع ساكس ملف السيادة التقنية وأشباه الموصلات في صميم المنافسة الفعلية، محذراً من أن السماح للصين بالوصول إلى أشباه موصلات متقدمة «سيكون أمراً سيئاً». فهذه الصناعة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي عالي القيمة، بل تحولت إلى أداة قوة شاملة تتصل بالأمن القومي وسلاسل الإمداد والتفوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، ما يجعل القيود التكنولوجية إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية بين القوتين.
ويبرز ضمن هذه المقاربة أيضاً البعد المتصل بالطاقة وأمن الإمدادات في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والصينية دون أن تتطابق. فالصين، كما ينبه ساكس، «لن تتصرف ببساطة كوكيل لمصالح الولايات المتحدة»، في إشارة إلى أن بكين توازن بين احتياجاتها المتزايدة للطاقة ورغبتها في توسيع نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي، وبين تجنب دفع أثمان الانحياز الكامل لأي طرف. هذا التباين يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى معادلة التنافس، إذ تتجاور مساحات التعاون المحدود مع منافسة صامتة على النفوذ والشراكات.
وتوحي قراءة ساكس بأن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار إدارة العلاقة على قاعدة «التنافس المُقنن» مع إعطاء أولوية لمسارات التجارة والاستثمار، مقابل تشديد أكبر في مفاصل التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل التوريد الحساسة. وبينما يسعى كل طرف إلى تعظيم مكاسبه وتقليص مكامن ضعفه، يُتوقع أن تتزايد الضغوط على الحلفاء والشركاء للاصطفاف أو الموازنة، وأن تبقى الملفات الأمنية—ومنها تايوان—حاضرة كأوراق ردع، حتى إن لم تتصدر المشهد العلني في كل لحظة.
📰 المصدر: المصدر