أطفال السودان يعودون إلى مقاعد الدراسة في مخيم لاجئين بالكفرة بعد سنوات من الحرب
في قلب جنوب ليبيا، تحوّلت مدينة الكفرة إلى ملاذ لآلاف الفارين من أتون الحرب في السودان، حيث تستضيف ما بين 40 و60 ألف لاجئ، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال الذين انقطعت صلتهم بالتعليم منذ اندلاع النزاع عام 2023. وبعد ثلاث سنوات من الصراع المتواصل، بدأت السلطات في شرق ليبيا بتأسيس آلية تُمكّن هؤلاء الصغار من العودة إلى الدراسة داخل المخيمات، في محاولة لتدارك ما خلّفته الحرب من فجوات تعليمية عميقة.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فإن موجات النزوح القادمة من السودان لم تقتصر على البحث عن الأمان فحسب، بل حملت معها أيضاً تبعات اجتماعية وإنسانية واسعة، يأتي في مقدمتها ضياع سنوات دراسية على الأطفال. فالواقع اليومي في المخيمات يفرض أولويات قاسية تتقدم فيها ضرورات المأكل والمأوى على أي مسار تعليمي منتظم، ما جعل عودة الأطفال إلى المدارس خطوة شاقة تتطلب تنظيماً واستمرارية ودعماً يتجاوز الحلول المؤقتة.
في هذا السياق، تعمل السلطات المحلية في شرق ليبيا على بناء نظام تعليمي يراعي ظروف اللاجئين، ويعيد إدماج الأطفال في صفوف دراسية، ولو بإمكانات محدودة. وتتمثل هذه الجهود في توفير ترتيبات تسمح ببدء التعليم من جديد داخل بيئة المخيم، بما في ذلك تنظيم صفوف ومسارات تعليمية تساعد على تعويض الانقطاع الطويل. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تصطدم بتحديات يومية تتعلق بالموارد والكوادر والبنية الأساسية اللازمة لضمان تعليم فعّال.
وتبرز صعوبة التعليم في المخيمات بوصفها معضلة مركّبة؛ فالعودة إلى الدراسة لا تعني فقط تأمين مكان للدرس، بل تتطلب أيضاً بيئة آمنة ومستقرة تتيح للأطفال التركيز والتعلّم. كما أن الأطفال الذين عاشوا تجارب الحرب والنزوح قد يواجهون أعباء نفسية تجعل من الاندماج في التعليم عملية تحتاج إلى دعم إضافي، إلى جانب صعوبات التنقّل داخل المخيم وتفاوت مستويات التحصيل نتيجة الانقطاع.
ومن زاوية أوسع، تكشف تجربة الكفرة عن محاولة لاحتواء إحدى أخطر نتائج الحروب: خسارة جيل كامل لحقه في التعليم. فاستعادة المسار الدراسي في ظل اللجوء تمثل رهاناً على المستقبل، لأنها تحدّ من تفاقم الأمية وتقلّص احتمالات دفع الأطفال نحو أعمال شاقة أو مسارات استغلال. كما تمنح الأسر شعوراً بأن النزوح لا يعني نهاية الأفق، وأن هناك إمكانية لإعادة بناء حياة أكثر انتظاماً رغم الظروف الاستثنائية.
ومع استمرار الحرب في السودان وتواصل تدفق اللاجئين، يُتوقع أن تتعاظم الحاجة إلى توسيع هذا النظام التعليمي وتثبيته، سواء عبر دعم محلي أكبر أو عبر شراكات مع منظمات دولية. وتبقى قدرة هذه المبادرات على الصمود مرهونة بتوفير الموارد والاستقرار الإداري والأمني، لأن التعليم في المخيمات لا يُقاس بفتح الصفوف فقط، بل بمدى استمرارها وجودة ما تقدمه للأطفال الذين يحاولون استعادة طفولتهم ومستقبلهم بعد سنوات من الاضطراب.
📰 المصدر: المصدر