كيف يقول زعيم جمهوري «لا» لترامب؟ تشريح خطاب من ساوث كارولاينا يرفض إعادة ترسيم الدوائر وفق مطالب البيت الأبيض
في لحظة تختبر حدود الولاء داخل الحزب الجمهوري، قدّم زعيم الأغلبية في مجلس شيوخ ولاية ساوث كارولاينا نموذجاً نادراً لكيفية معارضة دونالد ترامب من داخل المعسكر نفسه، من دون الانزلاق إلى قطيعة مباشرة أو استفزاز أنصار الرئيس على المنصات الرقمية. فقد صاغ المسؤول الجمهوري موقفاً «مفصّلاً ومحسوباً» يرفض ضغوط ترامب لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بما يخدم حسابات حزبية ضيقة، مؤكداً أن القرار شأن سيادي للولاية لا يُدار عبر التعليمات القادمة من خارجها.
وجاءت هذه المواقف على وقع تسارع محموم داخل الحزب لإعادة رسم دوائر الكونغرس في ولايات محورية، بعد أن أسهمت المحكمة العليا عملياً في تقويض قسم رئيسي من «قانون حقوق التصويت» كان يهدف إلى منع التمييز العنصري في العمليات الانتخابية. ووسط هذا التحول القانوني والسياسي الذي أعاد فتح الباب أمام معارك ترسيم الحدود الانتخابية، تحولت الأنظار هذا الأسبوع إلى ساوث كارولاينا، باعتبارها إحدى الساحات التي يمكن أن تترجم فيها رغبة البيت الأبيض إلى خرائط جديدة قد تعيد تشكيل توازنات مقاعد مجلس النواب.
وفي حديثه، استهل زعيم الأغلبية روايته بالتأكيد على أنه تحدث إلى رئيس الولايات المتحدة للمرة الأولى قبل أسبوع، واصفاً المكالمة بأنها «امتياز» وأنها كانت «جيدة جداً»، لافتاً إلى أن ترامب منحه وقتاً أكبر مما كان يتوقع. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الرئيس، رغم طلبه المساعدة، أقر بأن على المسؤول المحلي أن يفعل ما يرتاح إليه وما يراه صواباً؛ وهي صياغة استخدمها المتحدث لتأكيد أنه لا يواجه ترامب بوصفه خصماً، بل يختلف معه في تقدير المصلحة العامة وحدود الصلاحيات.
وانتقل المسؤول الجمهوري بعد ذلك إلى نقد أداء الأغلبية الجمهورية في واشنطن، معبّراً عن خيبة أمل من «أغلبية لا تفعل شيئاً»، على حد تعبيره. وقال إنه يتمنى أن يحتفظ «الفريق المحلي» بالأغلبية، لكنه يتمنى أيضاً أن تُترجم هذه الأغلبية إلى إنجازات تشريعية ملموسة، مشيراً إلى أن من الصعب على كثيرين تسمية أكثر من مشروع قانون واحد أُقر خلال عام ونصف. وفي هذا السياق، اعتبر أن التركيز على تكبير المكاسب الانتخابية عبر خرائط أكثر تحيزاً لا يعوض «ما تُرك على الطاولة» من ملفات تشريعية كانت تستدعي عملاً فعلياً لا مجرد هندسة انتخابية.
أما جوهر اعتراضه على مطالب ترامب، فتمثل في تحذيره من أن السعي لتحويل خريطة المقاعد إلى نتيجة «7-0» لصالح الجمهوريين في الولاية يحمل مخاطر سياسية عالية وقد يرتد عكسياً. ورأى أن أقصى ما يمكن ضمانه واقعياً قد يكون «6-1»، بل قد تنتهي المغامرة إلى «5-2»، محذراً من أن «التذاكي» في الترسيم قد يفتح ثغرات قانونية وانتخابية تعطي الديمقراطيين فرصة أوسع. وأكد أنه لا يريد أن يرى زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز رئيساً للمجلس، معتبراً أن أفضل فرصة لساوث كارولاينا لتجنب ذلك هي الإبقاء على الخرائط الحالية بدلاً من تعريضها للطعن والارتداد السياسي.
ولإغلاق الباب أمام فكرة الإملاء الفيدرالي، شدد المتحدث على أنه «لا يستطيع بضمير حي» التنازل عن سلطة حفظها الدستور للولايات و«مجرد تلقي الأوامر» من خارج ساوث كارولاينا. وأوضح أنه يتفهم قلق الرئيس ومبرراته ولا يختلف معه من حيث المبدأ، لكنه شدد على وجود اعتبارات أخرى تمس الولاية وسكانها لم تُؤخذ في الحسبان ضمن المقترح المطروح. كما حذّر من أن إضعاف استقلال القرار المحلي سيقلص نفوذ ساوث كارولاينا التي «اعتادت أن تفوق وزنها» في التأثير، بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض، مؤكداً أن الإقدام على هذا التغيير سيُضعف ذلك النفوذ «حتماً» وفق معرفته بمسار العملية.
وتشير هذه المواجهة المحسوبة إلى أن معركة ترسيم الدوائر لن تكون مجرد صراع بين حزبين، بل أيضاً اختباراً لحدود نفوذ ترامب داخل الحزب الجمهوري على مستوى الولايات. ومن المتوقع أن تتصاعد الضغوط السياسية والإعلامية في الأسابيع المقبلة، مع احتمال انتقال السجال إلى ساحات القضاء والرأي العام، خصوصاً في ظل حساسية ملف حقوق التصويت والاتهامات المتكررة بالتلاعب بالخرائط لأغراض حزبية. وفي النهاية، قد تتحول ساوث كارولاينا إلى نموذج يراقبه الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء: هل يمكن لمسؤول محلي أن يوازن بين الولاء الحزبي ومصلحة الولاية، وأن يقول «لا» للرئيس من دون أن يدفع ثمنها سياسياً؟
📰 المصدر: المصدر
