يونيو 13, 2026
يونيو 13, 2026

مع تزايد حضور اليمين في ملف معاداة السامية.. إلى أين تتجه «اليسار اليهودي»؟

أثار مشهدٌ لافت في تجمعٍ حاشد وسط لندن لمناهضة معاداة السامية نقاشاً متجدداً داخل الأوساط اليهودية البريطانية: سياسيون محسوبون على التيار الإصلاحي حظوا بالتصفيق، فيما قوبلت أصوات حاخامات تقدميين بالاستنكار والصفير. هذا التحول، الذي بدا كأنه يعيد رسم خطوط التحالفات التقليدية، دفع بعض المراقبين والناشطين إلى التحذير من تصدّع علاقات تاريخية بين قوى يهودية تقدمية وحلفائها المعتادين في الفضاء السياسي الأوسع.

في قلب هذه الواقعة برزت الحاخامة شارلي باجينسكي، المشاركة في قيادة «اليهودية التقدمية» في بريطانيا، والتي أقرت بأنها شعرت بالقلق والترقب قبل اعتلائها المنصة في تظاهرة نهاية الأسبوع الماضي وسط العاصمة. وبحسب ما ورد، لم تمر كلماتها بهدوء؛ إذ تعالت صيحات استهجان من بعض الحضور أثناء خطابها، في إشارة إلى انقسام داخل التجمع نفسه حول من يملك «شرعية» تمثيل الموقف اليهودي من معاداة السامية وكيف ينبغي التعبير عنه.

ولم يكن ذلك الحادث معزولاً أو طارئاً، بل يأتي ضمن سياق متكرر خلال العامين الأخيرين. فالحاخامة باجينسكي وزميلها الحاخام جوش ليفي، الشريك في قيادة التيار التقدمي، واجها العام الماضي موقفاً أشد قسوة حين تعرضا للاستهجان حتى اضطرا لمغادرة منصة مماثلة خارج مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت. تكرار هذه المشاهد يشي بأن المشكلة لم تعد خلافاً عابراً حول خطاب أو عبارة، وإنما عنوان لاحتكاك أعمق يتعلق بهوية القيادة الدينية والسياسية داخل المجتمع اليهودي، وبالاصطفافات الجديدة التي تتشكل حول قضية شديدة الحساسية.

وتأتي هذه التوترات في لحظة تشهد فيها أوروبا وبريطانيا على حد سواء ارتفاعاً في القلق من خطاب الكراهية والاعتداءات، مقابل احتدام الجدل العام حول تعريف معاداة السامية وحدود انتقاد إسرائيل، إضافة إلى أثر الاستقطاب السياسي على قضايا الهوية والدين. وفي مثل هذا المناخ، تصبح التجمعات المناهضة للعنصرية ساحة اختبار دقيقة: هل يجتمع مختلف التيارات تحت شعار مكافحة معاداة السامية، أم تتحول المنصات إلى ميدان منافسة على سردية واحدة تُقصي ما عداها؟

المفارقة التي التقطها مراقبون تتمثل في أن اليمين، بحسب انطباع البعض، بات أكثر حضوراً وفعالية في الفعاليات المرتبطة بمناهضة معاداة السامية، مستفيداً من تبدل المزاج السياسي واتساع المخاوف الأمنية. غير أن هذا التقدم يضع «اليسار اليهودي» أمام سؤال صعب: هل يستطيع الحفاظ على خطابه الذي يجمع بين الدفاع عن اليهود ومناهضة كل أشكال العنصرية، وبين مقاربة نقدية للسياسات الدولية دون أن يُتهم بالتقليل من شأن معاداة السامية أو تسييسها؟ أم أن مساحات المناورة تضيق إلى حد يصبح فيه الصوت التقدمي هدفاً للاعتراض حتى داخل الحشود التي يفترض أنها تتشارك الهدف نفسه؟

ومن المتوقع أن تنعكس هذه التحولات على طبيعة التحالفات داخل المجتمع اليهودي البريطاني وخارجه، وعلى دور المؤسسات الدينية التقدمية في المجال العام، خصوصاً إذا استمر الاستقطاب حول من يتحدث باسم «القلق اليهودي» ومن يحدد أولويات مكافحته. وفي المدى القريب قد تزداد الدعوات إلى إعادة بناء جسور الثقة ووضع قواعد تضمن تعددية التمثيل داخل الفعاليات العامة، لكن استمرار عمليات الاصطفاف قد يدفع نحو مزيد من الانقسام، بما يهدد بتحويل قضية مكافحة معاداة السامية من أرضية جامعة إلى عنوان صراع سياسي وأيديولوجي مفتوح.

📰 المصدر: المصدر