فستان «زارا» و«حاصد الأرواح» وجمهورية شيوعية: كيف قرأت صحف أستراليا الموازنة الفيدرالية؟
أثارت الموازنة الفيدرالية الأسترالية موجة سجال إعلامي حاد، تصدّرتها صحف إمبراطورية مردوخ التي صعّدت لهجتها تجاه وزير الخزانة جيم تشالمرز، ووصفت إجراءات الموازنة بأنها «أكثر إعادة توزيع للثروة راديكالية منذ عهد ويتلام». وبينما ركّزت بعض التغطيات على البعد الاقتصادي والضريبي، اختارت أخرى إطاراً أيديولوجياً صدامياً يصوّر الموازنة بوصفها انعطافاً يسارياً جارحاً.
ووفق ما نقلته تقارير «الغارديان»، ذهبت صحيفة «ديلي تلغراف» إلى أبعد مدى في توصيفها، مدّعية أن ناخبي ولاية نيو ساوث ويلز «استيقظوا في دولة شيوعية» صباح الأربعاء. ولم تكتف الصحيفة بذلك، بل صاغت سرديتها حول الموازنة باعتبارها حملة ضرائب قاسية تستهدف المواطنين، مستخدمةً خطاباً اتهامياً مباشراً بحق تشالمرز، في محاولة لتأطير الإجراءات المالية ضمن صورة صراع بين الحكومة ودافعي الضرائب.
وتعزيزاً لهذا الإيحاء الأيديولوجي، أبرزت «تلغراف» رموزاً شيوعية صريحة عبر خلفية حمراء وإضافة المطرقة والمنجل، في دلالة بصرية تهدف إلى ترسيخ فكرة «الانزياح نحو اليسار» في وعي القارئ قبل الخوض في تفاصيل الأرقام والسياسات. ويعكس هذا الخيار التحريري كيف تلجأ بعض الصحف إلى الأدوات الرمزية والاستفزازية لتأطير النقاش العام، بحيث يصبح الجدل حول الهوية السياسية للحكومة أكثر حضوراً من النقاش حول بنود الموازنة نفسها.
أما صحف مردوخ الأخرى، فواصلت النهج ذاته بتصعيد النقد، مركّزة على فكرة أن ما جرى يمثل إعادة توزيع واسعة للثروة، ومقارنة ذلك بمرحلة ويتلام التي ارتبطت تاريخياً بتوسّع الإنفاق الاجتماعي والإصلاحات الجذرية. ويشي هذا النوع من المقارنات بمحاولة لاستحضار ذاكرة سياسية مثقلة بالاستقطاب، وتوظيفها كعدسة تفسيرية لتقديم الموازنة الحالية على أنها تكرار لمرحلة مثيرة للجدل، بما يحشد القاعدة المحافظة ويؤطر الحكومة في خانة «الراديكالية».
وفي خلفية هذا السجال، تبدو الموازنة – كما تقدّمها التغطيات المتباينة – ساحة اشتباك بين رؤيتين: إحداهما تعتبر الضرائب وأدوات إعادة التوزيع ضرورة لمعالجة اختلالات اقتصادية واجتماعية، وأخرى ترى فيها عبئاً إضافياً يضغط على الأسر والاقتصاد ويُعدّ، بحسب خطابها، انقلاباً على نهج السوق. ومن هنا، لا ينفصل الجدل الإعلامي عن رهانات سياسية أوسع تتصل بقدرة الحكومة على تمرير رسالتها بشأن العدالة الاقتصادية، في مقابل سعي خصومها إلى نزع الشرعية عن خياراتها عبر شيطنتها لغوياً ورمزياً.
ومن المتوقع أن تتواصل تداعيات هذه القراءة الإعلامية المتشددة خلال الأيام المقبلة، مع انتقال النقاش من العناوين الصاخبة إلى تفاصيل تطبيق السياسات وانعكاساتها على الشرائح المختلفة. كما يُرجّح أن تُستثمر هذه التغطيات في معارك الرأي العام، بما يعمّق الاستقطاب حول هوية الاقتصاد الأسترالي واتجاهه، ويضع الحكومة أمام اختبار مزدوج: الدفاع عن أرقام الموازنة ومبرراتها من جهة، وتفكيك السرديات الأيديولوجية التي تحاول اختزالها في صورة «الدولة الشيوعية» من جهة أخرى.
📰 المصدر: المصدر
