سوبرماركت يملكه مزارعون في فرنسا يقدّم نموذجاً جديداً لتحسين عائدات المنتجين
في وقت تتصاعد فيه الضغوط على قطاعَي الزراعة والتوزيع في فرنسا بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات الزراعية، برزت مبادرة لافتة في جنوب البلاد تمثّلت في إطلاق مزارعين سوبرماركت مملوكاً لهم. وتسعى هذه التجربة إلى توفير منتجات أكثر طزاجة للمستهلكين بهوامش ربح أقل، وفي الوقت نفسه تحسين دخل المنتجين عبر تقليص الوسطاء وإعادة التوازن في سلسلة القيمة الغذائية.
وتأتي هذه المبادرة على خلفية آلية سنوية متّبعة في فرنسا، إذ تُجرى عادة مفاوضات أسعار الجملة للمنتجات الغذائية في مطلع كل عام بين ممثلي القطاع الزراعي وسلاسل السوبرماركت. غير أن مفاوضات هذا العام انتهت في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع اندلاع الحرب في إيران، ما فتح الباب أمام موجة جديدة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، خصوصاً تلك المرتبطة بالطاقة والنقل.
ومع تفاقم الأزمة، شهدت كلفة الوقود والأسمدة قفزات حادة نتيجة تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لشحنات الطاقة عالمياً. هذا التطور انعكس مباشرة على المزارعين الذين يعتمدون على الأسمدة والنقل والتبريد في مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، كما وضع سلاسل المتاجر أمام معضلة جديدة تتعلق بتسعير المنتجات واستمرار الإمدادات دون تحميل المستهلكين زيادات كبيرة.
في هذا السياق، دعت الحكومة الفرنسية إلى فتح حوار بين القطاعين الزراعي والتجاري للبحث في كيفية تقاسم هذه التكاليف الاستثنائية: من يتحملها داخل السلسلة؟ وما النسبة التي يمكن تمريرها إلى المستهلك النهائي؟ وتستهدف هذه الدعوة الحد من التوترات الدورية بين المنتجين والموزعين، ولا سيما مع شكاوى متكررة من أن هوامش الربح في نقاط البيع لا تنعكس بالقدر الكافي على دخل المزارعين.
على الضفة الأخرى من المشهد، اختار مزارعون في جنوب فرنسا الانتقال من موقع التفاوض إلى موقع المبادرة، عبر إنشاء سوبرماركت يملكونه ويديرونه بهدف بيع المنتجات مباشرة بهامش ربح أقل من المعتاد. ويعني ذلك، عملياً، تقليص حلقات الوساطة بين الحقل ورفوف المتجر، بما يتيح للمزارع الحصول على عائد أفضل من كل عملية بيع، فيما يستفيد المستهلك من أسعار أكثر تنافسية ومنتجات محلية أقرب إلى الطزاجة.
وتُعدّ التجربة، إذا ما نجحت في توسيع نطاقها، مؤشراً إلى اتجاه متنامٍ لإعادة التفكير في نموذج المكافأة داخل سلاسل الإمداد الغذائي، خصوصاً في أوقات الأزمات الجيوسياسية التي تُترجم سريعاً إلى تضخم في تكاليف الإنتاج. ومن المتوقع أن تراقب الجهات الرسمية والفاعلون في السوق نتائج هذا النموذج عن كثب، إذ قد يدفع نجاحه إلى تكرار مبادرات مماثلة أو إلى إعادة ضبط قواعد التفاوض السنوي بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للتكاليف والأرباح بين المنتجين والموزعين، مع الحفاظ على قدرة المستهلك الشرائية.
📰 المصدر: المصدر