لماذا يُقام مهرجان كان السينمائي في مدينة كان؟ جذور سياسية صنعت أيقونة للحرية الفنية
لم يأتِ اختيار مدينة كان لاحتضان أحد أشهر المهرجانات السينمائية في العالم مصادفة، بل وُلد مهرجان كان السينمائي من رحم صراع سياسي وثقافي مع إيطاليا الفاشية، في لحظة تاريخية اتسمت بتنامي الرقابة وتوظيف السينما أداةً للدعاية. ومنذ انطلاقته، تحوّل المهرجان على شاطئ الريفييرا الفرنسية إلى منصة دولية تُرفع فيها راية الاستقلال الفني وحرية التعبير.
وتسلّط «فرانس 24» عبر تقرير أعدّته الصحافية ستيلا إلغيرسما الضوء على الخلفيات التي دفعت فرنسا إلى التفكير في إنشاء مهرجان بديل، بعدما اتُهمت تظاهرات سينمائية أوروبية في ثلاثينيات القرن الماضي بالخضوع لتأثيرات سياسية مباشرة. وفي سياق كانت فيه الأنظمة السلطوية تسعى إلى ضبط السرديات الثقافية وتوجيه الأذواق العامة، برزت الحاجة إلى فضاء يُحتكم فيه إلى المعايير الفنية بعيداً عن الإملاءات الأيديولوجية.
وتعود بذور الفكرة إلى خلافات حول الرقابة والتلاعب بالجوائز، حيث رأت باريس أن السينما لا ينبغي أن تُستخدم كسلاح بروباغندا، وأن الاحتفاء بالأفلام يجب أن يتم على أساس قيمتها الإبداعية لا وفقاً لحسابات القوة. من هنا، وُضع مشروع مهرجان جديد يُقام على الأراضي الفرنسية، ليكون بمثابة ردّ عملي على محاولات تسييس الفن، وليؤكد أن الثقافة قادرة على مقاومة الضغط السياسي عبر مؤسسات مستقلة وشفافة.
أما اختيار مدينة كان، فارتبط بمجموعة عوامل تجمع بين الرمزية والقدرة التنظيمية والجاذبية السياحية. فالمدينة الواقعة على ساحل البحر المتوسط كانت تتمتع ببنية فندقية مناسبة واستعداد لاستقبال الزوار، فضلاً عن كونها جزءاً من الريفييرا الفرنسية التي طالما استقطبت النخب الثقافية والاقتصادية الأوروبية. كما منح الموقع الساحلي للمهرجان هالة خاصة ساعدته لاحقاً على بناء صورة عالمية تجمع بين البريق السينمائي والهوية الفرنسية.
ومع مرور السنوات، لم يعد مهرجان كان مجرد فعالية فنية، بل صار مساحة جدل ونقاش حول حدود الإبداع ودور السينما في مساءلة السلطة والمجتمع. وارتبط اسمه بفكرة «الحرية الفنية» التي تشكّلت في بداياته، لتنعكس لاحقاً في خياراته وبرامجه وتقاليده، من السجادة الحمراء إلى المنافسات الرسمية التي تمنح الأعمال السينمائية فرصة الظهور أمام جمهور عالمي وصنّاع قرار في صناعة الأفلام.
وبينما تستمر «كان» في تجديد مكانتها وسط منافسة مهرجانات دولية عديدة، تظل جذورها السياسية حاضرة بوصفها تذكيراً بأن الفن قد يولد أحياناً من مواجهة الرقابة. ومن المتوقع أن يواصل المهرجان هذا الدور المزدوج: الاحتفاء بالسينما كصناعة عالمية، والدفاع عن استقلالها كمساحة للتعبير، في وقت تتصاعد فيه من جديد أسئلة النفوذ السياسي والاقتصادي على الثقافة حول العالم.
📰 المصدر: المصدر