تحليل: بوتين يلمّح إلى احتمال إنهاء حرب روسيا في أوكرانيا.. فلماذا الآن؟
في إشارة لافتة التقطتها عواصم عدة، ألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى احتمال وضع حد للحرب التي تشنها موسكو في أوكرانيا، في وقت لا تزال فيه الجبهات مفتوحة والخسائر مستمرة والرهانات السياسية والعسكرية مرتفعة. هذا التلميح، الذي يأتي وسط حالة إنهاك متبادل وتبدّل في إيقاع الدعم الغربي، يثير سؤالاً جوهرياً: ما الذي يدفع الكرملين إلى فتح نافذة كلامية نحو «النهاية» الآن، وهل هي مقدمة لتسوية حقيقية أم مناورة محسوبة لتحسين شروط التفاوض؟
منذ اندلاع الحرب، استخدمت روسيا خطاباً متقلباً يجمع بين التشدد والتلويح بالحلول، وغالباً ما ارتبطت الإشارات إلى التفاوض بظروف ميدانية أو سياسية محددة. وبينما تصرّ أوكرانيا على استعادة أراضيها ورفض أي ترتيبات تُكرّس الاحتلال، تُراهن موسكو على تثبيت مكاسبها وتقليص كلفة الاستنزاف الطويل. لذلك تُقرأ تصريحات بوتين الأخيرة ضمن إطار «إدارة الصراع» بقدر ما تُقرأ كبحث عن مخرج، خصوصاً مع اتساع آثار الحرب على الاقتصاد الروسي، واحتدام العقوبات الغربية، وتعقّد قدرة موسكو على تحقيق اختراقات حاسمة وسريعة.
السياق الدولي يمنح هذا التلميح بعداً إضافياً. إذ تتزامن الإشارة الروسية مع تزايد النقاشات داخل الغرب حول استدامة المساعدات العسكرية والمالية لكييف، ومع صعود اعتبارات داخلية في عدد من الدول المؤثرة قد تُعيد ترتيب الأولويات. كما يندرج الأمر في ظل محاولات بعض الوسطاء الدوليين إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتفادي انزلاق الحرب إلى مستويات أكثر خطورة، بما في ذلك توسيع نطاقها أو التصعيد غير المحسوب. وفي مثل هذه البيئة، قد ترى موسكو أن توقيت الإيحاء بإمكانية إنهاء الحرب يمنحها مساحة لإعادة التموضع سياسياً وإرباك خصومها.
على الجانب الروسي، ثمة دوافع محتملة تتعلق بحسابات الكلفة والقدرة. فالحرب الطويلة تعني ضغطاً مستمراً على الموارد، وحاجة دائمة إلى تكييف الاقتصاد مع العقوبات، وإدارة متطلبات التعبئة والإنتاج العسكري، إضافة إلى أثر ذلك على المزاج العام. ومن شأن إبراز استعداد مشروط لإنهاء الحرب أن يقدّم للكرملين رواية مفادها أن موسكو لا ترفض «السلام» من حيث المبدأ، بل تسعى إلى «حل» وفق شروط تراها مناسبة لأمنها ومصالحها، ما قد يساعد في تخفيف العزلة الدبلوماسية أو شقّ المواقف داخل المعسكر الداعم لأوكرانيا.
لكن الإشكالية تكمن في طبيعة الشروط والضمانات المطلوبة لأي تسوية. فكييف، مدعومة من حلفائها، تخشى أن يتحول أي وقف لإطلاق النار دون معالجة جذور النزاع إلى هدنة مؤقتة تمنح موسكو وقتاً لإعادة بناء قدراتها ثم العودة للقتال. في المقابل، قد تستخدم روسيا الإشارات التصالحية لترويج فكرة أن استمرار الحرب سببه تعنّت الطرف الآخر، أو لطرح مسارات تفاوضية تُبقي على واقع السيطرة الحالي. وبين هذين المنظورين، يظل «إنهاء الحرب» مفهوماً فضفاضاً يتراوح بين وقف نار محدود، وتسوية سياسية شاملة، وتجميد للصراع على خطوط تماس جديدة.
في المدى القريب، يُتوقع أن تُقابل تلميحات بوتين بحذر شديد، مع اختبار مدى جديتها عبر ما سيحدث على الأرض: هل سترافقها تهدئة فعلية أم تصعيد لتحسين الموقع التفاوضي؟ كما ستراقب العواصم الغربية ما إذا كانت موسكو تستهدف التأثير في ديناميات الدعم لأوكرانيا أو تفكيك الإجماع حول العقوبات. وبينما يبقى احتمال فتح قناة تفاوض قائماً، فإن المسار نحو نهاية مستقرة للحرب سيظل مرهوناً بتوازنات الميدان، وبقدرة الأطراف على صياغة ترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز مجرد «تجميد» القتال إلى معالجة أسباب الصراع ومنع تكراره.
📰 المصدر: المصدر