تحذيرات من «لحظة ليز تراس» جديدة: الأسواق تلوّح بانهيار محتمل في سوق السندات البريطانية
عادت المخاوف من اضطراب سوق السندات البريطانية إلى الواجهة، مع تحذيرات صريحة من المستثمرين من تكرار «لحظة ليز تراس» التي هزّت الأسواق سابقاً، وذلك بالتزامن مع اهتزاز موقع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر واحتمال مواجهته تحدياً على قيادة حزب العمال. ويأتي هذا التحذير في وقت ترتفع فيه كلفة الاقتراض، بينما تراقب الأسواق عن كثب أي إشارات إلى تجاهل الانضباط المالي أو الدخول في سباق وعود سياسية غير ممولة.
وبحسب ما يتردد في الأوساط المالية في «سيتي» لندن، فإن أي مسار سياسي قد يقود إلى مسابقة على زعامة حزب العمال تتغاضى عن حقائق المالية العامة و«واقعية الأسواق» قد يفتح الباب أمام اضطرابات حادة، من بينها تسارع عمليات بيع السندات الحكومية وارتفاع العوائد بشكل يضغط على ميزانية الدولة ويزيد كلفة خدمة الدين. وتُعدّ هذه الإشارات من أكثر المؤشرات حساسية في الاقتصاد البريطاني، لأنها تنعكس مباشرة على كلفة التمويل الحكومي وعلى ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
وتحت وطأة «حالة الحمى» في وستمنستر، أدّى الحديث عن احتمال تبديل رئيس الوزراء للمرة السادسة خلال سبع سنوات إلى زيادة التوتر في سوق الدين العام، حيث غذّت احتمالات عدم الاستقرار السياسي موجة بيع حادة في السندات الحكومية البريطانية. وفي العادة، يترجم المستثمرون مثل هذه التطورات إلى علاوة مخاطر أعلى، ما يدفعهم للمطالبة بعوائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالسندات، وهو ما يرفع عملياً كلفة الاقتراض على الخزانة البريطانية.
ولا تنفصل هذه التحذيرات عن الذاكرة القريبة للأزمة التي أعقبت ميزانية مصغّرة مثيرة للجدل في عهد ليز تراس، حين تسببت السياسات غير الممولة والرسائل المرتبكة إلى الأسواق في زعزعة الثقة، وقفزت العوائد على السندات بصورة سريعة، قبل أن تتدخل جهات رسمية لاحتواء التداعيات. ومنذ ذلك الحين، باتت «لحظة ليز تراس» مرادفاً لسيناريو تتفوق فيه اضطرابات الأسواق على حسابات السياسة، فتفرض على الحكومة تراجعاً قسرياً أو تغييراً في المسار تحت ضغط التمويل.
ويخشى مستثمرون أن تؤدي أي منافسة داخلية على قيادة حزب العمال—في حال تجاهلت القيود الواقعية للمالية العامة—إلى طرح وعود إنفاق أو خفض ضرائب من دون خطط تمويل مقنعة أو إطار مالي واضح، بما يضعف المصداقية أمام الأسواق. وفي بيئة تتسم أصلاً بارتفاع كلفة الاقتراض عالمياً وتوترات اقتصادية محلية، تصبح هوامش المناورة أضيق، وتزداد حساسية المستثمرين لأي إشارات قد تلمّح إلى تسييس السياسة المالية أو إضعاف قواعد الانضباط المالي.
وفي المحصلة، يبدو أن الأيام المقبلة ستُختبر فيها قدرة القيادة السياسية على طمأنة الأسواق عبر التزام واضح بالانضباط المالي وبناء رسائل متماسكة حول أولويات الإنفاق والضرائب وإدارة الدين العام. ومع استمرار التقلّب في وستمنستر، يتوقع مراقبون أن تبقى سوق السندات بمثابة «ميزان حرارة» فوري لأي اضطراب سياسي؛ فإذا تصاعدت الشكوك، قد يرتفع الضغط على الحكومة عبر زيادة العوائد وتوسّع الفجوة بين الطموحات السياسية وكلفة تمويلها، ما يهدد بإعادة إنتاج أزمة ثقة شبيهة بما شهدته بريطانيا قبل أعوام قليلة.
📰 المصدر: المصدر
