وفاة ألبريخت فاينبرغ الناجي من أوشفيتز عن 101 عام بعد مسيرة طويلة في توثيق فظائع النازية
توفي ألبريخت فاينبرغ، أحد الناجين من معسكر أوشفيتز ومن سلسلة من معسكرات الاعتقال والإبادة النازية، عن عمر ناهز 101 عام، بعد حياة طبعتها خسائر فادحة في صفوف عائلته خلال المحرقة، ومسيرة لاحقة كرّس فيها سنواته لتوعية الأجيال الجديدة بما جرى داخل تلك المنظومة الإجرامية. وأعلن عن وفاته في مدينة لير شمال غرب ألمانيا، بعد أسابيع من احتفاله بعيد ميلاده الـ101.
وبحسب ما أوردته التقارير، فإن فاينبرغ كان من بين الذين ذاقوا أهوال أكثر من معسكر، من بينها أوشفيتز وبيلسن، حيث عايش ظروف الاحتجاز القاسية التي شكّلت إحدى أكثر الصفحات ظلمة في التاريخ الأوروبي الحديث. وقد فقد معظم أفراد عائلته خلال الهولوكوست، في تجربة شخصية جعلت شهادته لاحقاً ذات ثقل إنساني وتاريخي بالغ، خصوصاً مع تراجع أعداد الناجين القادرين على سرد ما حدث بلسان من عاشه.
وبرز اسم فاينبرغ في العقود الأخيرة ليس فقط بوصفه شاهداً على الجرائم النازية، بل أيضاً بوصفه مربيّاً وناشطاً في مجال الذاكرة التاريخية؛ إذ أمضى سنوات في لقاءات مع الطلبة وفي فعاليات توعوية يشرح فيها تفاصيل ما جرى داخل المعسكرات، مركزاً على خطورة الكراهية والعنصرية، وعلى ضرورة حماية المجتمعات من تكرار آليات الإقصاء التي مهّدت لتلك الجرائم. وقد مثلت هذه اللقاءات، بالنسبة لكثير من الشباب، نافذة مباشرة على التاريخ بعيداً عن الأرقام والوثائق الباردة.
ومن المحطات اللافتة في سيرته أنه عاد للعيش في ألمانيا وهو في عقده الثامن، في قرار يعكس تعقيدات علاقة الناجين ببلد ارتكبت على أرضه تلك الجرائم، كما يضيء على تحولات الذاكرة العامة في ألمانيا المعاصرة ومساعيها المؤسسية لمواجهة الماضي. وتأتي وفاته في وقت تتزايد فيه النقاشات الأوروبية حول كيفية صون الذاكرة التاريخية وسط تحولات سياسية واجتماعية متسارعة.
وتزامنت الأيام الأخيرة من حياته مع عرض أول لفيلم يوثق مسيرته بعنوان بالألمانية Es Ist Immer in Meinem Kopf (“إنه دائماً في رأسي”)، وهو عنوان يلخص الأثر النفسي العميق للناجين من التجربة، ويشير إلى أن الماضي لم يكن حدثاً عابراً في حياتهم، بل حضوراً دائماً يتجدد مع كل استعادة للذكريات. وقد جاء عرض الفيلم بعد أسابيع قليلة من عيد ميلاده، قبل أن يرحل في مدينته لير.
ومع رحيل فاينبرغ تتجدد المخاوف من اتساع الفجوة بين الأجيال وتراجع الشهادة الحية بوصفها أداة ردع أخلاقية ومعرفية، ما يضع المؤسسات التعليمية والمتاحف والجهات المعنية بالذاكرة أمام مسؤولية مضاعفة للحفاظ على السرديات الموثقة وإتاحتها للأجيال المقبلة. ومن المتوقع أن يساهم الفيلم الذي تناول حياته، إلى جانب أرشيف شهاداته، في إبقاء قصته حاضرة ضمن الجهود الرامية إلى التصدي لإنكار المحرقة أو تمييع دلالاتها.
📰 المصدر: المصدر
