مسؤولة سابقة في «بي بي سي نيوز»: على القنوات التحرك سريعاً أمام تهديد «صحافة صُنّاع المحتوى»
حذّرت ديبورا تورنِس، الرئيسة السابقة لقسم الأخبار في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، من أن المؤسسات التلفزيونية تقف أمام «تهديد وجودي» مصدره ما تصفه بـ«صحافة صُنّاع المحتوى»، معتبرة أن هذا التحول يدفع شريحة متنامية من الجمهور إلى هجر نشرات الأخبار التقليدية لصالح محتوى تقوده الشخصيات ويُبنى على حضور الفرد أكثر من المؤسسة.
وقالت تورنِس إن استهلاك الأخبار التلفزيونية التقليدية بات «ينهار»، في ظل ما وصفته بأنه «لحظة عميقة من الاضطراب» تضرب نموذج البث الإخباري الذي ساد لعقود. وبحسب رؤيتها، فإن التراجع لا يقتصر على نسب المشاهدة فحسب، بل يمتد إلى أنماط تلقي الأخبار ذاتها، حيث يتجه الجمهور—خصوصاً الأصغر سناً—إلى منصات رقمية تمنحهم محتوى سريعاً ومتخصصاً ومصاغاً بلغة أقرب إلى اليومي، ويقدمه أفراد يملكون قاعدة متابعة ويستثمرون الثقة الشخصية مع جمهورهم.
ويُقصد بمفهوم «صحافة صُنّاع المحتوى» ذلك النمط المتصاعد من تقديم الأخبار والتحليلات عبر قنوات شخصية على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام، حيث يقوم المؤثرون أو الصحافيون المستقلون بإنتاج مواد إخبارية وتفسيرية تستند إلى أسلوب سردي يعتمد على الهوية الفردية والتفاعل المباشر. وترى تورنِس أن هذا النمط، وإن كان لا يلغي الحاجة إلى المعايير التحريرية الصارمة، فإنه يفرض واقعاً جديداً على الجهات الناشرة التقليدية التي باتت مطالبة بمنافسة محتوى أكثر مرونة وقدرة على الوصول والتخصيص.
وتأتي تصريحات المسؤولة السابقة في سياق نقاش متزايد داخل قطاع الإعلام حول مستقبل غرف الأخبار وأدوات إنتاجها وتوزيعها، في وقت تتعرض فيه المؤسسات الإخبارية لضغوط مزدوجة: انكماش سوق الإعلانات التقليدية، وتحوّل الجمهور نحو الاستهلاك عبر الهاتف والمنصات الاجتماعية، إضافة إلى احتدام المنافسة على الانتباه وسط وفرة غير مسبوقة من المواد المصورة والبودكاست والنشرات الرقمية. وفي هذا المشهد، لم يعد نشر الخبر وحده كافياً، بل صار مرتبطاً بكيفية تقديمه وتفسيره وبناء علاقة مستمرة مع المتلقي.
وأشارت تورنِس—التي استقالت العام الماضي—إلى أن التحول يفرض على القنوات الإسراع في إعادة التفكير في شكل المنتج الإخباري وطرق توزيعه، بما يشمل الاستثمار في الصيغ الرقمية، وتطوير سرديات أكثر قرباً من الجمهور، وتحسين استراتيجيات الحضور على المنصات حيث يوجد المتلقون فعلياً. كما يعيد ذلك طرح أسئلة حول قدرة النشرات التقليدية على الحفاظ على جمهورها في ظل تغيّر العادات، وحول كيفية موازنة المؤسسات بين الجاذبية الرقمية ومتطلبات الدقة والتحقق والاستقلالية.
ومن المتوقع أن تتسارع خلال الفترة المقبلة خطوات التحول داخل المؤسسات التلفزيونية، عبر توسيع المحتوى الرقمي الأصلي وتحديث أساليب العرض وتبني أشكال أقرب إلى التفاعل المباشر، في محاولة لردم الفجوة مع صُنّاع المحتوى دون التفريط بالمعايير المهنية. غير أن التحدي الأكبر سيبقى في استعادة الثقة وبناء ولاء جديد لدى جمهور بات يفضل متابعة الأخبار عبر شخصيات يعرفها ويتفاعل معها، ما ينذر بإعادة تشكيل موازين القوى داخل سوق الإعلام خلال السنوات القادمة.
📰 المصدر: المصدر
