شعر البشر يتحوّل إلى درع طبيعي يحمي غابات فرنسا من الأيائل الجائعة
في مبادرة بيئية لافتة تعيد تعريف مفهوم النفايات اليومية، يتجه شعر البشر في فرنسا من كونه مخلفاً يُطمر أو يُحرق إلى مادة طبيعية قابلة للتحلل تُستخدم لحماية الغابات من الأيائل الجائعة، إلى جانب قدرته على امتصاص الملوثات. وتعمل شركة فرنسية متخصصة في إعادة التدوير على جمع قصاصات الشعر من دول أوروبية عدة وتحويلها إلى منتج صديق للبيئة يمنح “الخصلات المهدرة” فرصة ثانية.
وتشير المعطيات إلى أن فرنسا وحدها تتخلص سنوياً من قرابة 4 آلاف طن من الشعر عبر الطمر في المكبات أو الحرق، وهو مسار يضع هذا المورد العضوي ضمن منظومة النفايات التقليدية رغم خصائصه الاستثنائية. ومع تزايد الضغوط على حلول الاقتصاد الدائري، يبرز الشعر كخامٍ مهمل يمكن إدماجه في تطبيقات بيئية عملية بدلاً من التعامل معه كمجرد فضلات.
ويتمتع شعر الإنسان بخصائص فريدة؛ إذ يعد شديد المقاومة بطبيعته، كما يمتلك قدرة على امتصاص الهيدروكربونات، ما يجعله مفيداً في التعامل مع بعض الملوثات النفطية ومشتقاتها. وفي سياق الغابات، تبرز فائدة أخرى لا تقل أهمية، إذ يمكن توظيفه كحاجز أو مادة ردع طبيعية تسهم في حماية الشتلات والنباتات الصغيرة من الأيائل التي تتغذى عليها، وهو ما يساعد في دعم جهود التشجير وتجديد الغطاء النباتي.
وتقود هذه الجهود شركة “كابيلوم” الفرنسية لإعادة التدوير، التي تسعى إلى بناء سلسلة جمع منظمة لقصاصات الشعر عبر شبكة من نقاط التجميع، من بينها صالونات الحلاقة ومراكز العناية، في عدد من الدول الأوروبية. وبعد الجمع، يُعالج الشعر ويُحوَّل إلى مادة قابلة للتحلل الحيوي يمكن استخدامها ميدانياً في مشاريع حماية الغابات، بما يخفف في الوقت نفسه من كميات النفايات التي ينتهي بها المطاف إلى الحرق أو المدافن.
وتسلط هذه التجربة الضوء على تحوّل متنامٍ في التفكير البيئي: من التركيز على إدارة النفايات إلى تعظيم الاستفادة من الموارد الثانوية. فبدلاً من الاعتماد على مواد صناعية أو حلول مكلفة لحماية الغطاء النباتي، يقدّم هذا المسار بديلاً منخفض الأثر البيئي، يربط بين سلوك يومي بسيط—قص الشعر—وبين تحديات أكبر تتعلق بصون الغابات وتقليل التلوث.
ومن المتوقع أن يزداد الاهتمام بمثل هذه الحلول مع توسع مشاريع التشجير واستعادة النظم البيئية، ومع ارتفاع الطلب على مواد فعّالة وقابلة للتحلل ضمن سياسات الاستدامة الأوروبية. ويبقى نجاح التجربة مرهوناً بقدرتها على توسيع شبكات الجمع، وضمان معالجة صحية وفعّالة للشعر، وإثبات الجدوى على نطاق واسع، بما قد يفتح الباب أمام اعتماد هذه المادة في برامج حماية الغابات ومواجهة بعض أشكال التلوث مستقبلاً.
📰 المصدر: المصدر