«هل أنا قاتل؟» اعتراف شرطي من غيتو يهودي يُستعاد أخيراً بعد عقود من الغياب
بعد سنوات طويلة من التواري والضياع، عاد إلى الواجهة اعتراف صادم دوّنه شرطي يهودي خدم داخل أحد الغيتوهات خلال الحقبة النازية، في وثيقة تعكس تمزقاً أخلاقياً حاداً وسؤالاً وجودياً لا يزال يجلجل في ذاكرة الهولوكوست: «هل أنا قاتل؟». وتتناول القصة، كما أوردتها صحيفة «جيروزاليم بوست»، عملية استعادة هذا النص وإعادته إلى سياقه التاريخي، بما يحمله من شهادات عن منطقة رمادية نادراً ما تُروى بتفاصيلها.
وتنبع أهمية الوثيقة من أنها لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تكشف من الداخل طبيعة الدور الذي أُجبر بعض اليهود على القيام به في ظل الإدارة النازية للغيتوهات، حيث وُظّفت أجهزة أمن محلية، بينها ما عُرف بشرطة الغيتو، لتنفيذ الأوامر والحفاظ على «النظام» وفق القواعد التي فرضها المحتل. وفي مثل هذه البيئات، تداخلت النجاة الفردية مع الإكراه، وتحوّلت القرارات اليومية إلى امتحانات قاسية بين الامتثال والخطر، وبين حماية البعض وتعريض آخرين للهلاك.
وتشير مادة «جيروزاليم بوست» إلى أن الاعتراف المستعاد يقدّم زاوية إنسانية شديدة الحساسية: شخصٌ يكتب تحت وطأة الذنب والالتباس، محاولاً فهم ما إذا كان عمله جزءاً من آلة القتل، أم أنه كان مجرّد أداة قسرية داخل منظومة إرهاب لا خيار فيها. فالتسمية وحدها—«شرطي»—قد توحي بالسلطة، لكن واقع الغيتو كان يعيد تعريف السلطة باعتبارها هامشاً ضيقاً تحت تهديد مباشر، حيث تُقاس القرارات بثوانٍ وبحياة عائلة أو مجتمع كامل.
وفي خلفية هذا كله، تبرز إشكالية تاريخية وأخلاقية طالما أثارت جدلاً بين الباحثين والناجين: كيف يمكن قراءة أدوار «المجالس اليهودية» و«شرطة الغيتو» من دون الوقوع في تبسيطٍ يساوي بين الضحية والجلاد؟ فالدعاية النازية صمّمت منظومات تُنتج تعارضاً داخل الجماعات نفسها، وتُحمّل أفراداً مسؤوليات تنفيذية تحت التهديد، بما يخلق ندوباً نفسية واجتماعية امتدت إلى ما بعد الحرب، وأثّرت على شهادات الناجين وعلى الطريقة التي كُتبت بها الذاكرة العامة.
كما تلقي استعادة الاعتراف الضوء على أهمية أعمال الأرشفة والترميم والتحقيق التاريخي في إنقاذ الوثائق الشخصية من الفقدان، لأن مثل هذه النصوص لا تكتفي بتكميل السجلّات الرسمية، بل تصحّح أيضاً الصورة الإنسانية لما حدث. فالوثائق الفردية—بما تحمله من تردد وندم وتناقض—تعيد الاعتبار لتعقيد التجربة، وتُظهر كيف كان الإنسان يُدفع إلى حافة خيارات مستحيلة في ظروف القمع والإبادة.
ومن المتوقع أن تفتح إعادة نشر هذا الاعتراف نقاشاً أوسع حول حدود المسؤولية في سياقات الإكراه، وكيف تُدرّس هذه المناطق الرمادية في المتاحف والمناهج وأبحاث الهولوكوست، فضلاً عن أثرها على ذاكرة المجتمعات التي لا تزال تتعامل مع إرث الحرب العالمية الثانية. وبينما تستعيد الوثيقة صوت صاحبها بعد غياب طويل، فإنها تُذكّر بأن التاريخ لا يُحسم فقط بالأرقام والقرارات السياسية، بل أيضاً بالأسئلة التي يتركها الأفراد خلفهم—أسئلة قد لا تملك إجابات نهائية، لكنها ضرورية لفهم ما جرى.
📰 المصدر: المصدر