تعديل قواعد الضرائب على المستثمرين لن يقلّص المعروض السكني ولن يرفع الإيجارات.. وتجربة فيكتوريا دليل واضح
تتجه الحكومة الأسترالية برئاسة أنتوني ألبانيزي إلى طرح موازنة يُنتظر أن تعيد تعريف السكن بوصفه حقاً أساسياً ومأوى للعيش، لا مجرد أداة للاستثمار والمضاربة. وبينما تصاعدت التحذيرات من أن أي تشديد ضريبي على المستثمرين سيقود إلى قفزة في الإيجارات وتراجع في المعروض السكني، يرى مراقبون أن هذه المخاوف مبالغ فيها، بل إن التجارب المحلية – وفي مقدمتها ولاية فيكتوريا – تشير إلى أن تغيير الحوافز الضريبية لا يؤدي بالضرورة إلى النتائج السلبية التي يجري التلويح بها.
ووفق ما يتردد عن ملامح الإصلاحات المنتظرة، فإن الحكومة تستهدف تقليل اعتماد السوق على الامتيازات الضريبية التي جعلت من شراء العقارات لأغراض الاستثمار خياراً شديد الجاذبية، على حساب المشترين الباحثين عن منزل للسكن. ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية في المدن الكبرى، وتتفاقم أزمة القدرة على تحمّل تكاليف السكن، مع استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد المنافسة على الإيجارات المتاحة.
وقد اعتادت النقاشات الأسترالية حول الإسكان أن تُقابل أي محاولة لتعديل ضرائب المستثمرين بسيل من الإنذارات: أن المستثمرين سيغادرون السوق، وأن المعروض سيقل، وأن المستأجرين سيدفعون الثمن عبر ارتفاع الإيجارات. غير أن خبراء وسياسيين يشيرون إلى أن هذه العلاقة ليست آلية ولا حتمية؛ إذ لا يُحدَّد مستوى الإيجار بقرار المستثمر الفردي، بل بمحصلة العرض والطلب والدخل المتاح ومعدلات الشغور، فضلاً عن القيود التخطيطية وكلفة البناء وتوفر الأراضي.
وتبرز ولاية فيكتوريا مثالاً يُستشهد به في هذا الجدل، حيث أُدخلت في السنوات الأخيرة تعديلات وإجراءات ضريبية طالت شريحة من مالكي العقارات والمستثمرين. وبدلاً من انهيار المعروض أو تسجيل قفزات استثنائية في الإيجارات بسبب تلك التغييرات وحدها، تكشف القراءة المتأنية – بحسب الطرح الذي يقدمه التقرير – أن السوق يتأثر بمجموعة أوسع من العوامل، وأن تحميل الضرائب وحدها مسؤولية أي اضطراب في الإيجارات أو تراجع في البناء يتجاهل تعقيدات المشهد الاقتصادي والسياساتي.
ومع ذلك، لا تُقدَّم الإصلاحات المرتقبة بوصفها علاجاً سحرياً لأزمة الإسكان. فحتى إن أسهمت في كبح المضاربة وإعادة بعض التوازن بين المستثمرين ومشتري المنازل لأول مرة، فإن معالجة جذور المشكلة تتطلب مساراً متكاملاً يشمل زيادة المعروض عبر تسريع الموافقات التخطيطية، وتحفيز بناء المساكن الملائمة، وتوسيع الإسكان الاجتماعي، ودعم البنية التحتية التي تفتح مناطق جديدة للتطوير، إلى جانب سياسات تضمن استقرار سوق الإيجار وحماية المستأجرين.
ومن المتوقع أن تثير أي خطوات ملموسة في هذا الاتجاه سجالاً سياسياً واقتصادياً محتدماً، خصوصاً مع اقتراب الإعلان الرسمي عن تفاصيل الموازنة. لكن ما يتضح من النقاش الدائر أن إعادة ضبط الحوافز الضريبية قد تدفع أستراليا نحو مسار أكثر عدالة في توزيع فرص التملك وتقليل تحويل السكن إلى أداة تراكم ثروة على حساب الاستقرار الاجتماعي. ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الحكومة على مواءمة الإصلاحات مع حزمة إجراءات أوسع، بحيث تُخفَّف الضغوط عن المستأجرين وتُعالج اختناقات العرض دون الرضوخ لسيناريوهات التخويف المتكررة.
📰 المصدر: المصدر
