أي «نموذج تهديد» واجهته الإمارات؟ ولماذا يهمنا فهمه؟
يثير مقال رأي نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» سؤالاً مركزياً حول طبيعة «نموذج التهديد» الذي تعاملت معه دولة الإمارات العربية المتحدة، ولماذا ينبغي أن يحظى هذا النقاش باهتمام إقليمي ودولي. ففهم الطريقة التي تُعرّف بها الدول مصادر الخطر—وما تضعه في مقدمة أولوياتها الأمنية والسياسية—يضيء على توجهاتها في السياسات الداخلية والخارجية، وعلى شكل تحالفاتها وآليات ردعها وإدارة أزماتها.
وينطلق الطرح من فكرة أن «نموذج التهديد» ليس مجرد توصيف نظري، بل إطار عملي تُبنى عليه قرارات حساسة: من توزيع الموارد على الدفاع والأمن السيبراني وحماية البنى التحتية، إلى تحديد طبيعة المخاطر التي تُصنَّف كتهديدات وجودية أو آنية. وفي حالة الإمارات، يسلّط المقال الضوء على كيفية تعاملها مع بيئة إقليمية شديدة التقلب، تتداخل فيها تهديدات الدولة واللا دولة، وتتصاعد فيها حروب النفوذ والرسائل المتبادلة عبر ساحات متعددة.
ويأتي هذا النقاش في سياق أوسع تشهده المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، حيث باتت التهديدات أكثر تركيباً من أن تُختزل في مواجهة عسكرية تقليدية. فإلى جانب المخاطر المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والاعتداءات على المرافق الحيوية، برزت تحديات مرتبطة بالحروب غير المتماثلة، والضغط الاقتصادي، والهجمات السيبرانية، ومحاولات التأثير في الرأي العام، فضلاً عن تهديدات الاستقطاب الإقليمي التي قد تجرّ دولاً إلى مسارات تصعيد غير محسوبة.
ويشير المقال، في جوهره، إلى أن الإمارات اختبرت واقعاً أمنياً يتطلب مزيجاً من الاستعداد الصلب والمرونة السياسية: تعزيز منظومات الحماية والرصد، وبناء شراكات أمنية وتقنية، وتطوير أدوات الاستجابة السريعة للأزمات. كما يضع ذلك في إطار توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومي والانفتاح الاقتصادي، خاصة أن الإمارات تُعد مركزاً مالياً وتجارياً وسياحياً عالمياً، ما يجعل حماية سلاسل الإمداد، وممرات الطاقة، وبيئة الأعمال، جزءاً لا ينفصل عن معادلة الأمن.
ومن زاوية أوسع، يلفت الطرح إلى سبب «لماذا يجب أن نهتم»: لأن نموذج التهديد الذي تتبناه دولة محورية مثل الإمارات ينعكس على استقرار المنطقة وشبكات المصالح الدولية فيها. فحين تتغير طريقة قراءة المخاطر، تتبدل معها السياسات: أنماط التنسيق مع الحلفاء، ومقاربات الردع، وحدود الانخراط في الصراعات الإقليمية أو الابتعاد عنها، إضافة إلى طريقة إدارة العلاقات مع القوى الكبرى. وبذلك يصبح فهم هذا النموذج مدخلاً لاستيعاب اتجاهات الأمن الإقليمي، واحتمالات التهدئة أو التصعيد.
وفي المحصلة، يخلص المقال إلى أن متابعة كيفية تشكل «نموذج التهديد» الإماراتي تساعد على استشراف ما قد يأتي لاحقاً: مزيد من الاستثمار في الدفاعات متعددة الطبقات، وتوسيع قدرات الأمن السيبراني وحماية البنى التحتية، وتعميق الشراكات التي تضمن الردع وتقليل المخاطر على الاقتصاد. كما أن تطور هذا النموذج قد يدفع دولاً أخرى في المنطقة إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية، بما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في منظومات الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
📰 المصدر: المصدر